اخر الاخبار

كلّما أسمع أو أقرأ شيئاً عن ماء البصرة، أظلّ سارحاً في ذاكرتي لأيامٍ خلت، كان فيها الماء عذباً زلالا، وأستغرب كثيراً من أمر الجالسين على كراسي المسؤولية، ومَنْ تسيّد على أمر البلاد والعباد، لعدم مراعاتهم لأي شيءٍ في هذا الوطن، ولم يكلّفوا أنفسهم بالبحث عن حلول لأي أزمةٍ بل تركوا الأزمات تتوالى وتتفاقم شيئاً فشيئا، وانشغلوا بحربهم في ما بينهم على المناصب وكيفية الاستئثار بالمال العام لنهبه، كأنهم جاءوا لينهبوا فقط غير عابئين بما يدور خلفهم وأمامهم وعلى جوانبهم من خراب، وضياع وطن!

اليوم وأنا أسمع الأرقام المهولة لما موجود من أملاح وغيرها، والتي تلوث الماء في البصرة حسب ما دونته المديرية العامة للماء في البصرة، أصبت بالذهول وصفقت كفاً بكف على هذا الدمار البيئي الكبير مقابل الصمت حوله!

فالمواصفات العراقية لنسبة الماء المسموح به للشرب ومقارنتها بما موجود من ماء الآن تصيبك بالاندهاش والحيرة مما يفعل الصامتون، اللاعبون بالمال العام شاطي باطي دون أن يحرّكهم وازعٌ من ضمير حول ما يحدث من كارثة بيئية!

فالمقارنة وكما دونتها التحاليل المختبرية في البصرة كالآتي: النسبة العليا المسموح بها للأملاح في مياه الشرب هي ( 1000 مللي غرام / لتر واحد) بينما الموجودة الآن بعد التحليل هي (11000 مللي غرام)، وللكبريتات ( 250 مللي غرام / لتر واحد) بينما الآن (2115 مللي غرام )، وللكلوريد (250 مللي غرام / لتر واحد) لكن الموجودة الآن (4800 مللي غرام)، وللصوديوم (200 مللي غرام / لتر واحد ) بينما الآن (3192 مللي غرام )، بمعنى أن انتشار أمراض الكلى وحصوتها وما إلى ذلك، وانهيار المصابين بالضغط بالجلطات المتوالية وغيرها من الأوبئة كلّها نتيجة هذه المياه التي لا تصلح لكل شيء!

المصيبة الأعظم ان انهار البصرة، بل العراق بشكل عام، أصبحت ملوثة بالكامل نتيجة ما يصب فيها من المياه الثقيلة والآسنة، بينما لم يتحرك مسؤول ما لحلّ هذه الأزمة التي قارب عمرها أكثر من نصف قرن، النظام المقبور والمهووس بالحروب والاستبداد ترك كل شيء واشغل الناس بالحروب والركض بحثاً عن لقمة الخبز اثر حصار مدمّر، والذين جاءوا بعده انشغلوا بالفساد وكيفية جمع المال وبشتى الوسائل والطرق ليخبئوه في المزارع والحيطان وفي براميل صنع الطرشي وتحت التبن ويسرقوا العقارات ليبنوا المولات والعمارات والمجمّعات السكنية التي لم يحلم بها الفقير!

منذ أكثر من ثلاثة عقود وماء البصرة تحديداً في تلوّث يوما بعد آخر، وعند تفاقم الأزمة، وامتداد اللسان الملحي خرجت الناس مطالبة بالماء الذي يخرج منه كل شيء حي دون أن تتحرك شعرةٌ لمسؤول سوى التصريحات واللقاءات والأحاديث التلفازية والوعود العرقوبية بإنشاء محطّات تحلية على الشط وفي البحر وما شابه ذلك وايجاد حلٍّ جذري لهذه الازمة، ولو كانت هذه الوعود حقيقية ويتم الإيفاء بها لصرنا الآن من المصدّرين للماء العذب مثل جيراننا الأخوة الخليجيين الذين كانوا يأخذون ماء الشرب من شط العرب بوسائط نقل مختلفة في القرون المنصرمة وغيرها!

الكارثة كبيرة والحديث فيها مؤلم، والأكثر ألماً عدم الإسراع في حلّها.