كما لو أنّ "ابو گاطع " معنا هذه الأيام، حيث سيسفح منها، وعليها، الكثير من مداده المتوقد. سيحزن كثيرا، وحتى حين يضحك، كما كان قبل اربعين سنة، يضحك ساخرا، غاضبا، في وقت واحد، فمَنْ يمكنه توحيد الضحكة والغضب في سطور غير شمران الياسري.
الذين عاشوا مع" أبو گاطع" سنوات إبداعه الروائي وإطلاقه تلك الخواطر النابضة بالحياة كانوا يعرفون عن قرب طاقته "التوليفية" الفذة في التقاط مدلولات المشهد الشعبي، وشحنة المفارقات اليومية، وتحشيدها في النص المكتوب، وبكلمة، كانوا يعايشون كيف كان" ابو گاطع " يصطاد الفكرة، بمهارة بنائية حاذقة، من تناقضات اللغة او من تناقض الواقع ويعيد انتاجها في توليفات تلقائية بسيطة على لسان أبطاله وزوار مناماته واحلامه ومحاوريه.
وبكلمة ايضا، كنا نحن، شركاؤه في تجربة عقد من السنين وفي رحلة "طريق الشعب" بوجه خاص، شهود على "اسرار" صنعة ابو گاطع المثيرة، بل وكان بعضنا مشاركين في لعبته التي شغل بها القراء والسلطة الفاشية على حد سواء.. لعبة "الحسجة" التي بلغت ما بلغته المناشير السرية من قوة التحريض والتجهيز والتبصير.
إن عبقرية" ابو گاطع " تتمثل تحويل مفارقات الحياة اليومية إلى نص متفجر باللغة والمعاني.. نص لن ينطفئ.. بل ويزداد توهجاً مع الأيام.
*قالوا:
" لم تَكُنْ رَجُلاً. كنتَ إنسانيَّةً. لم تمتَشِق قلَماً.
لم تمتَشِق بندقيَّةً. لم تمتَشِق إلا دمكْ".
محمود درويش- يرثي غسان كنفاني