اخر الاخبار

يقال (نسيان الحق خيانة، والاشتغال عنه دناءة)..  وها نحن مذ فتحنا أعيننا على الدنيا ونحن نعيش ظروفا صعبة وقاسية في عراق (الخيرات)، لم يمر عام إلا وتلقينا الصفعات من كل جانب، سعينا بكل جهودنا وسقينا أرضنا بدماء شهدائنا دفاعا عن الحق وتحقيق عدالة اجتماعية ولم نحصد إلا خيبات ولدت خيبات أخرى للأسف.

لم نزل ممسكين بأمل غد أفضل، لكننا في الوقت نفسه نذرف دموعا ساخنة حتى عند لحظات أفراحنا المفترضة. كثير من فرح لمجريات أحداث (صولة الفجر) التي تعجز عنها حتى مخيلة هوليود (الأكشن) لكني اعترف بغصة ومرارة جعلتني أصاب بكآبة على غير عادتي في تجاوز الصعاب.

  فمن كان يتصور مشاهدة مواردنا المالية معبأة في قناني الطرشي، وفي مياه الصرف الصحي وتحت أعماق الأرض؟ّ! سمعنا وعرفنا عن روايات اللصوص الكثير والكثير لكننا لم نصدق أعيننا بعد ونحن نشاهد سبائك الذهب بالكيلوات وساعات الرولكس بالجملة والسيارات الفارهة والخيول الثمينة بحوزة من لا يسوون قطف سيكارة استولوا عليها بألاعيب يعجز عنها الخيال وتحت ستار أحزاب الإسلام السياسي.

منذ سنوات وشعبنا يردد (باسم الدين باكونا الحرامية) ويعلم يقينا بأننا شعب منهوب لكن لم نتصور يوما بذاءة وامتهان المال العام بهذه الطرق الرخيصة.

بكيت وطن الحضارة والنضال والعقول النيرة ممن تنتظر رواتب لا تكفي لسد احتياجات نصف الشهر بفارغ الصبر، كيف لهؤلاء السفلة امتصاص قوت الشعب، بينما خريجو كليات الطب، مثلا، لسنوات عديدة لم يجدوا أماكن للتعيين، وان حصل الأوائل منهم على عقود لا تزيد على الستمائة الف دينار؟ّ!

أمثلة العوز والفقر وتدهور الخدمات لا تُعد ولا تحصى، وإن استبشرنا بصولة الفجر وبأمل الضوء في نهاية النفق، لكني اعترف بأني ما زلت كئيبة اذرف الدمع في حالة مشابهة لما حدث لي عند مشاهدة صدام في أرذل حالاته عندما فحص أسنانه العسكري الأمريكي بعد إلقاء القبض عليه في وضع مهين مخجل. حينها كنت أعيش في أبو ظبي توالت علي تهاني وتغاريد فرحة  الجالية العراقية هناك، حتى أن مجلس العمل العراقي رتب حفلا ساهرا احتفاء بالمناسبة، وأتذكر أنهم خصصوا جائزة قيمة لأطرف عقوبة يمكن أن يحصل عليها صدام من قبل الشعب قبل إعدامه، وتعددت الاقتراحات من خيال مدهش وسط ذلك الاحتفاء، إلا أنا بقيت معتكفة في شقتي أنوح وأذرف الدمع ساخنا، مسترجعة مع نفسي ضياع بلدي ومقتل آلاف الشهداء وتدمير كل شيء.. اردد وبصوت مخنوق هذا التافه أمامي على شاشة التلفزيون غرَّبني عن بلدي ويتَّم ابنتي وافقدني زوجي الشاب بعمر الثمانية والعشرين عاما.. لم أفرح أبدا مثلما اليوم تخنقني العبرة كلما توالت أمام عيني مشاهد استرداد مليارات الدنانير وملايين الدولارات وأكوام الذهب مرددة فعلا الانشغال عن نيل الحق دناءة وخيانة.