تفتح الحوارات الأخيرة حول توحيد عمل اليسار كُوى من التفاؤل في عتمة مرهقة، مؤكدة أن القلوب الواسعة لا تجد في تعدد الصور نقصاً، بل غنىً من تجليات الحقيقة، ولا ترى في الوحدة التي تلغي الفوراق إلا سكوناً عقيماً. ولهذا لم يعد وجود هذا الكم من أطياف اليسار مشكلة، بل تنوعاً فكرياً يضفي على ألقه الثوري مزيداً من الزهو، ولاسيما أن أغلب اليساريين العراقيين هم من المستقلين، الذين لم يجدوا حتى الأن تشكيلاً سياسياً يفعّلون دورهم من خلاله، مع بقائهم مؤمنين بالقيم الثلاث المتكاملة، الحرية، والتقدم، والعدالة الاجتماعية، واستعدادهم للكفاح من أجلها.
وأفضى ذلك إلى قناعة راسخة بأن مهمة خلق مساحة مشتركة ومقنعة للجميع يجب أن تتبوأ الموقع الأرأس في برنامج أي تحالف يساري، رغم أنها لن تكون مهمة يسيرة، لأن كثيراً من هؤلاء المستقلين يتأنون طويلاً قبل المشاركة، ولا يتحولون إلى قوة سياسية فاعلة تلقائيًا، أو بمجرد بيان حماسي وعبارات منمقة، بل حين يرون بأن عمل اليسار بات حقاً موحداً ومصاناً من خطر الذوبان في الجماهير، ومن الميول الشعبوية، ولم يعد متذبذباً في التمسك ببرنامجه الثوري.
إن جبهة يسارية، مهما كان انسجامها الفكري، وحسن تنظيمها، وعديد المنتمين إليها، لن تُبهر الناس إلا إذا سبق تشكيلها وجود برنامج ديمقراطي واجتماعي مشترك، متعدد ومترابط الجوانب، إلى الحد الذي يشعر معه الجميع بأن مصالحهم ممثلة فيه، فيتخذونه هوية لهم.
ويتطلب تحقيق ذلك صبراً، وحكمة، ورفقة لا تفرط بأي طاقة كانت، دون أن يُغفل، بالطبع، منح الدور الأبرز لمن يهبون النضال جلّ حياتهم، لا أوقات فراغهم فقط، لأن أهميتهم تتجلى في قدرتهم على المواجهة والاستمرارية والصمود، ليس ضد القمع والتمييز فحسب، بل أيضاً ضد الجمود والتخلف في الحياة السياسية والمجتمع، وكذلك بسبب مبدأيتهم ونزاهتهم وما يراكمونه من خبرات، دون أن ننسى تجديد الدماء، وزج الشباب في العمل عبر التأهيل الفكري والسياسي في المؤسسات التنظيمية لليسار، ومن خلال النضال الميداني بين الجماهير.
كما ينبغي ألا تكتفي أطياف اليسار بهؤلاء ميداناً للتعبئة، على أهميتهم، بل أن تجعل من المجتمع أفقها الرحب، فتنقذ الآخرين من حيادهم ويأسهم، أو من أوهام القوى التي تصادر وعيهم، فليس إنجازاً أن ينتقل مناضل من خندقٍ إلى آخر يحمل الراية ذاتها، وإن اختلف لونها أو شعارها، لأن غزارة الأنهار تتعاظم بانضمام ينابيع جديدة إليها، لا بتغيير مجراها في الوادي ذاته.
وإذا كان الأعم الأغلب من قوى اليسار يفتخر بالسفر الكفاحي المشترك، فإن البناء عليه، ودمج دروسه في مشروع التسيق الجديد، حتى من دون اتفاقٍ تام حول سردية محددة لذلك التاريخ، سيضفي على التحالف مزيداً من القوة والخبرة والنفوذ الشعبي، فيما يشكل استدعاء الأخطاء والخلافات التي شهدها الماضي، من أجل التنمر على الآخرين، أو تخوينهم، أو تكفيرهم، أو لتبريرالمواقف، أو لاستثمارها في مسعى لإثبات عصمة جهة ما، أبرز معوقات بناء أي جبهة يسارية.
ولعل من المفيد التذكير بأن قيام بعض النخب اليسارية بإنابة أنفسها مكان قواعدها الفاعلة ونشطائها الميدانيين، في التفكير ووضع الخطط وتعديلها، يشكل سبباً آخر يعيق الوحدة. ولهذا لابد من قراءة دقيقة ومتواصلة للرأي العام، وحرص القيادات العليا المنتخبة دورياً على معرفة تصورات كوادرها وقواعدها وتقديراتهم، وربما إجراء استفتاء لجميع اليساريين ومؤيديهم عند المنعطفات السياسية الحادة، كما ينوي اليسار الفرنسي فعله اليوم وهو يواجه استحقاقاً رئاسياً قد يحمل الفاشية الجديدة للحكم.