"يلله يا بطل، اكتبْ مذكراتك.. قبل ان يداهمك المحذور" كانت هذه السطور التي تسلمتها، فجر يوم ماطر، مفاجِئة وغريبة (أولا) في ما تضمنت تقليدي وسام البطولة، الذي لا أحبه، فالكثير من معاركي انتهت بالهزيمة و(ثانيا) لم أكن على قناعة بكتابة المذكرات الشخصية لما أعرفه عن أكاذيب وتلفيقات وتهرّب من خطايا ارتكبها الكثير من أصحابها، عدا عما جاء بها من تصفيات حساب، وروائح غِلِّ ومداهنة و(ثالثا) ماله صلة بهوية صاحب الرسالة الذي كان أحد الشرطيين اللذين نقلاني بالقطار "مكلبج" من معتقل قلعة كركوك إلى الموقف العام في قشلة بغداد في تموز 1963 وكان شيوعيا، وأصبح صديقي لسنوات، ويراسلني كثيرا قبل تنطفئ وقدة روحه ويرحل في مطلع قادسية صدام الرعناء. وللتوّ، بدأت أضع أولى منظورات رحلة السنوات العاصفة، لكن، ليس قبل أن أعالج بضع (مسبقات) مستعصية، وخصوصية، لا يستقيم العرض دون أن افكك تشابكاتها، أو أعاينها من زاوية ما يسمى بالاعترافات المبكرة، أو أخضعها للتدقيق في ما هو صحيح وما هو مجانب للصحة. تلك هي البداية. والآن استعيد من الذاكرة كم مرة بدأتُ فيها مشروع تدوين سيرتي في أكثر من مكان، وظرف، وقد تراجعتُ، ودسستها جميعا طيّ أحداث السنوات الملتبسة التي كنت في دواماتها، فاضطرُ أنْ أضع جانبا ذاكرتي وقصاصاتي وطائفة من "المراجعات" التي كنت أعدّ لوضعها في حشوة التوليف.. وها أنا أبدأ من جديد: أعينني أيتها الحياة.
*قالوا:
"إن الحقيقة تصل إلى قلوب العصاة، إذا عرفوا، واعترفوا، بأنهم عصاة"
مالكولم أكس