اخر الاخبار

الخوف هو العنوان الأبرز في المشهد العراقي هذه الأيام. لكنه ليس خوفاً واحداً، وإنما خوفان يقفان على طرفي نقيض.

الخوف الأول يسكن كبار الفاسدين ومن أحاطوا أنفسهم بشبكات النفوذ والحماية. إنه خوف من الحقيقة، ومن أن تتحول التحقيقات إلى كرة ثلج تكبر كلما تدحرجت، فتصل إلى مستويات أعلى، وتكشف من خطط، ومن سهّل، ومن وفر الغطاء، ومن راكم ثروات لا يمكن تفسيرها بالدخل المشروع، مهما ارتفع.

أما الخوف الثاني، فهو خوف العراقيين. لكنه ليس خوفاً من كشف الحقيقة، وإنما من ألا تكتمل. يخشون أن تتوقف الحملة عند الحلقات الأضعف، وأن تعود الخطوط الحمراء لتفرض حدودها على الحملة، كي لا تصل إلى الرؤوس التي صنعت منظومة الفساد، وحمتها، وأعادت إنتاجها طوال السنوات الماضية.

ما ظهر خلال الأيام الماضية لم يعد مجرد أرقام في بيانات رسمية. فقد شاهد العراقيون أموالاً مدفونة ومخبأة ومحروقة لإخفاء آثار الجريمة، فتحولت القضية إلى مشهد يكشف حجم النهب الذي تعرضت له الدولة. وكان يفترض أن توحد هذه المشاهد الجميع خلف مطلب كشف الحقيقة، لكن ابواق الطغمة سارعت إلى التشكيك بالحملة والدفاع عن المتهمين. وهنا يفرض السؤال نفسه: لماذا الخشية من اتساع التحقيقات أكثر من خوفه من استمرار الفساد؟ فالفساد لا يقوم على أفراد، وإنما على شبكة من المصالح والحماية، ولهذا فإن أي حملة جادة تواجه منظومة كاملة، لا أشخاصاً فقط.

إن نجاح هذه الحملة لن يُقاس بعدد الموقوفين أو الأموال المضبوطة، وإنما بقدرتها على الوصول إلى كبار الفاسدين وكشف تضخم الثروات طغمة الفساد التي لا يفسرها الدخل المشروع. فهل ستواصل كرة الثلج تدحرجها، أم ستتوقف عند أبواب النفوذ؟

تعب العراقيون من الملفات التي تُفتح ثم تُغلق، ومن اللجان التي تبدأ بضجيج وتنتهي بصمت. وما ينتظرونه اليوم هو سقوط الحصانات غير المعلنة، وانتهاء زمن الإفلات من العقاب.

إن الفاسدين يخشون أن تصل الحملة إلى الحقيقة... أما العراقيون فيخشون أن تتوقف قبل الوصول إليها.

وبين هذين الخوفين، يتحدد مصير واحدة من أهم معارك الدولة مع منظومة الفساد. فإذا انتصرت الحقيقة، استعادت الدولة شيئاً من هيبتها، واستعاد المواطن شيئاً من ثقته. أما إذا انتصرت الخطوط الحمراء، فلن تكون الخسارة أموالاً منهوبة فحسب، وإنما ضياع فرصة تاريخية لاستعادة الدولة، وإثبات أن لا أحد، مهما علا نفوذه أو موقعه، فوق القانون.