اليوم تطلّ علينا الذكرى 68 لثورة 14 تموز الخالدة، تلك الثورة التي صارت وما تزال عيداً وطنياً للعراقيين الأحرار المغروسين بطين (دهلة) العراق وغِرْيَنِه، والمؤتمنين على خزائنه مهما كان حجم الثروات التي فيها، لم ولن يطرقهم هاجس سرقتها أبدا!
هل نحلمُ ونعيش الحلم حقيقة؟!
أم أنها الحقيقة كانت حلماً؟! أم كنا نعيش الحالتين معاً؟!
تساؤلاتٌ سكنتنا منذ الطفولة، وما تزال تسكننا، لنعيد حكاياتها كل عام.
عندما كنت صغيرا كنت أقفُ مندهشاً أمام صورةٍ بين طائري طاووس تزيّن زجاج أبواب (مِحْمَل) زوجة أبي ــ المِحْمَل يشبه المكتبة الصغيرة لكنّه يضمّ بداخله (الصحون والكؤوس وكل الزجاجيات التي يحتاجها المطبخ) ــ كذلك كانت بعض الصحون قد نُقشت بداخلها تلك الصورة، كان ذلك في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، كنت أحدّق في الصورة كثيرا، لم يخبرني لحظتها أيٌّ من أهلي هذه الصورة لمن؟!
الطاووسان يقفان على غصنين متقابلَين والصورة التي بينهما قد أخفي وجهها بالصبغ لأنّ (المِحْمَلَ) موضوعٌ في الغرفة ومعروض للناظرين، أمّا الصحون فالصورة فيها على حالها (رجل بزيٍّ عسكري وعينين متّقدتين تنظران إلى الأفق). ذات مرة سألت أمّي: لمن هذه الصورة؟!
أطرقتْ قليلا وقالت: لا تسأل ثانية!
أخذني الفضول إلى أبي فسألته وألححت كثيراً.
أجابني: يا بني، إنّها لرجل أحبّه الفقراء لأنه كان منهم واليهم، غَيَّر تاريخ العراق من الحكم الملكي إلى الجمهوري، أصدر قوانين خدمت الشعب وما زال الشعب يتنعّم بها، لم يمتلك بيتاً، ولا مالاً، ولا عقارات أو أرصدة في البنوك العالمية، بنى بيوتاً، بل أحياء للفقراء المعوزين، ومنح الفلاحين حقوقهم المغدورة ووو... الخ..!
تحدّث أبي كثيرا وخلال حديثه كنت أرى دمعتين تتلألئان على خدّيه!
قلتُ له: أين هو الآن ولماذا صورته التي في واجهة (المِحْمَل) مصبوغة؟!
أجابني: يا بني قتله الذين لا يريدون لهذا الشعب والبلد خيراً!
كانت أمّي تُصغي لحديثنا فاعترضت قائلة: إنّه لم يُقتلْ، بل ذهب إلى مكان ما في السماء، الناس تقول ساكناً في القمر، يرون صورته كلما صار القمر بدراً، وقد صبغنا الصورة لان الظالمين يعتقلون ويعدمون كلّ مَنْ يعثرون عليها في بيته!
مرّت الأيام والسنون، وظلّت الصورة وصاحبها تسكن قلبي كما كانت في قلب أبي وأمّي وزوجة أبي والآخرين، بل وتسكن القمر!
تذكّرت الصورة تلك وما دار بيني وبين أبي وأمّي من حديث وأنا جالس أعدّ ما مطلوب منّي اليوم لما سنقدّمه في احتفالية الذكرى68 لثورة 14 تموز واستذكار قائدها الشهيد!
هذا دليل واضح وملموس يؤكّد أنّ مَنْ يُحبّ الناس ويخلص لهم ويخدمهم بكل صدقٍ وإخلاص، ومَنْ يكون أميناً وحريصاً على شعبه ووطنه، لا أن يسرق حتى الكحل من عيون الصبايا ويخبّئه في أماكن لا يفكّر فيها إلاّ اللصوص المحترفون جداً، ومَنْ يقوم بمهام المسؤولية الملقاة على عاتقه بكل نزاهة وشرف وإخلاص سيبقى خالداً مهما تبدلت الظروف واشتبكت المِحَن ودارت السنون!
الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم لم يكن رئيساً لوزراء العراق فقط، بل كان خادماً وبانياً، بنى البيوت للفقراء وسنّ القوانين التي تخدم الناس جميعا، وعاش واستشهد نزيهاً مخلصاً لناسه ووطنه لهذا ظل وسيظل خالداً في ضمائرهم هو وثورته التي يخاف من ذكرها الفاسدون سارقو كل خيرات الوطن وناهبوه، الذين انكشف كلّ ما يغطّي عيوبهم وطفحت المجاري بأوساخهم وأزكمت الأنوف روائحهم العفنة!
أتمنى أن يَعي درسه الآخرون ويأخذوا من شِيَمه الشيء القليل ليخلّدهم التاريخ بأحرف من نور وتظلّ صورهم ومآثرهم تسكن قلوب الناس وفي القمر أيضاً، وعزّ من قائل: خير الناس مَنْ نفع الناس!