اثارت، وما زالت تثير، نزاهة الشيوعيين لدى البعض حالة من الامتعاض وفقدان التوزان، لانها ببساطة تضع الاخرين امام مرآة كاشفة لسلوكهم وتناقضاتهم ومصالحهم الضيقة.
فعندما يتمسك الشيوعي بمبادئه، ويفعل ما يقول ويقول ما يفعل، وينأى بنفسه عن شهوات المال والمغريات، ولا يسعى بحال الى استغلال أي منصب للثراء وتحقيق المكاسب الشخصية، فمن المؤكد أن ذلك يزعج من وطّن نفسه على التعامل في حياته اليومية، وفي السياسة، بوصفها بابا للارتزاق وطريقا الى تكديس الامتيازات والمنافع.
ولذا فان البعض الممتعض يصب جام غضبه على نزاهة الشيوعيين، لا لشيء الا لأنهم قالوا بان حملة مكافحة الفساد الجارية الآن يفترض بها ان تتواصل، وان تغوص عميقا هادفة الى فتح ملفات الفساد، صغيرها وكبيرها، وان تشمل قديمها وحديثها، فجريمة سرقة المال يفترض ان لا تسقط بالتقادم، ولا ان تختفي تحت حرص زائف ظهر هذه الأيام تحت عنوان "التسويات السياسية" والحفاظ على "الاستقرار السياسي" وكان مكافحة الفساد تقود الى اللااستقرار!
ونرى ان النزاهة، وهي الصفة اللصيقة بالشيوعيين، ليست مرتبطة فقط بالنأي بالنفس عن السرقة والاستحواذ على المال العام او الفساد المالي والإداري، بل هي، قبل كل شيء، مدى انسجام الانسان مع ذاته، وما يدعيه ويعلنه من مبادئ وما يبنيه في حياته من سلوك قويم، بمعنى تقديم نموذج أخلاقي ملهم، ولكنه محرج للبعض الذي يفعل بخلاف ما يقول، ويتستر بكل الغطاءات السميكة ليرتكب الموبقات على اختلاف أنواع تجلياتها.
اعتاد الشيوعيون في تاريخهم النضالي الحافل بالمآثر والعطاء، ان يسمعوا أطناناً من الأكاذيب والقصص الخرقاء والمهلهلة، وقامت بذلك حكومات وقوى وأفراد عجزت عن منافسة الشيوعيين بالموقف والرأي والسلوك، فسلكوا طريق بالتشويه والتزييف، ولكن في كل مرة ترتد مثل هذه الحملات الجوفاء الى نحور أصحابها، فيما الناس تعلن باعلى الأصوات: لا أحد ينافس الشيوعيين في نزاهتهم.
ولا ريب بان النزاهة تؤشر الى نقيضها الفساد، وعندما يكون هذا الأخير مستشريا، يصبح النزيه استثناء مزعجا، لانه يقدم الدليل الملموس على إمكانية تحقيق الاستقامة وحسن السلوك والالتزام بالصفات الحميدة، وهذا بالطبع ما لا يريده الفاسدون ومن يستظل بظلهم، ومن يوفر الغطاء السياسي لحمايتهم.
ونزاهة الشيوعيين ليست قصصا تروى ولا حكايات تسرد، بل هي سلوك يومي تجسد في مسيرة نضالية مفعمة بالعطاء والتضحيات والثبات والإصرار على الانحياز للناس، ورفض متواصل بان يكون النضال سلعة تباع وتشترى، او وسيلة للثراء.
والناس بخبرتها ومعرفتها، هي من أطلقت على الشيوعيين صفة أصحاب الايادي البيضاء، ونالوا ذلك بفعل سلوكهم المفعم بالعفة والاستقامة والترفع عن الحاق أي ضرر بالمال العام، بل العكس تماما كانت أصواتهم عالية في التصدي للفساد، العائق الكبير والهادر امام فرص ثمينة في الاعمار والتنمية والاستقرار.
قد يختلف البعض مع أفكار الشيوعيين وتوجهاتهم السياسية والاقتصادية، ولكن ما لا يختلف عليه الكثيرون هو صدقيتهم ونزاهتهم، واخلاصهم لشعبهم ووطنهم. وتبقى الحقيقة ساطعة بان الاف الشيوعيين عاشوا وماتوا واستشهدوا، وهم لا يملكون الا سمعتهم الطيبة ومحبة الناس لهم. واليقين راسخ بان الشيوعيين سيظلون على هذا الدرب، يجسدون ذلك عمليا، ويرددون ان أغلى ما يملكه المناضل ليس المنصب او النفوذ او الثروة، بل سمعته وسلوكه القويم، وقدرته على خدمة أبناء شعبه بإخلاص ونكران ذات.
ونقول للمشككين بنزاهة الشيوعيين، بان حملات التشويش والتحريض لا تغير من الحقائق الراسخة في وجدان الناس شيئا، وان الشيوعيين، وقد زكتهم الحياة والتجارب والوطنيون الخلص، لا ينتظرون شهادات من المضغوطين والمأزومين، بل استحقوا هذه السمعة بجدارة، ومنحهم إياهم من عرفهم بأنهم نظيفو اليد، صادقو الكلمة، أوفياء للوطن والشعب.