اندماج الدول النامية بالعولمة، باعتبارها مصدراً للخامات، وسوقاً للاستهلاك، وواحة لإنتاج مربح تغيب عنه حقوق العمال والضرائب واشتراطات حماية البيئة، أدى إلى نشوء طغم تتحكم بهذه الدول، وترتبط عضوياً بالمراكز الرأسمالية العالمية، وتنشط وسيطاً بينها وبين الاقتصاد الوطني.
وبسبب تبعيتها للإمبريالية، واندماجها غير المتكافيء بهذه المراكز، وافتقادها لمشروع وطني، عرقلت هذه الطغم التنمية المستقلة لبلدانها، وأضعفت القطاعات الإنتاجية، وانتزعت موارد الريع، وراحت تعتاش على التمويل الخارجي والوساطة وحماية مصالح الاحتكارات، مما أدى إلى تدهور الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات البطالة، وتفاقم التفاوت الطبقي، واضطراب السلم الأهلي، وتغوّل الفساد.
ويُعّد ما جرى في العراق بعد 2003 مثالاً صارخاً على ذلك، إذ تمكّنت الأوليغارشية، بوصفها تحالفاً طبقياً من شرائح البرجوازية البيروقراطية والمالية والعقارية والكومبرادورية، وبدعم خارجي، من ترسيخ هيمنتها على السلطة والثروة، مستخدمة "منظومة المحاصصة"، آلية سياسية تتذرع بها لتسويق وهم التقسيم العادل للسلطة والثروة على "المكونات".
ورغم أن هذه الآلية فشلت في إدارة التنوع، وكرست الانقسام السياسي والمجتمعي، وبنت شبكات الزبائنية، ونشرت الفساد، وفككت المؤسسات الجماهيرية التقليدية مثل النقابات والحركات الشعبية، فإنها نجحت في إعادة إنتاج التبعية والاستغلال، وفي تأمين مصالحها الاقتصادية والسياسية، وفي إضعاف القوى الديمقراطية ولاسيما اليسار، الذي لم يعد نضاله مقتصراً على مكافحة الفساد والاستبداد فحسب، بل اتسع ليشمل البنية الطبقية التي أنتجت الأوليغارشية، وصار ضرورة استراتيجية وقضية مصيرية له، وبالتالي لمستقبل مشروعه الوطني، بهدفيه الرئيسيين، تحرير البلاد من التبعية وضمان ازدهارها ببناء دولة الحرية والعدالة.
وكما عكست تجارب عالمية عديدة كيف تتناسي الأوليغارشية لما بين مكوناتها من تناقضات داخلية، وتلجأ إلى العمل ككتلة موحدة نسبياً عندما تتعرض مصالحها الأساسية للخطر، أثبتت أيضاً أن قوى اليسار ليست الأصلب في مواجهة الأوليغارشية فحسب، بل والأقدر على تقديم بديل يشمل الدولة والمجتمع والاقتصاد، شرط أن تتوحد، أو توحّد عملها، بعيداً عن أي خلافات فكرية أو تنظيمية أولاً، وعن أي اشتراطات مسبقة للتطابق أو للذوبان في بوتقة واحدة، مهما كانت ثورية، ثانياً، وأن تنجح في تشخيص التحديات الكبرى التي تواجهها بدقة، قبل ولوج صراعات فكرية حول سبل مواجهة تلك التحديات، ثالثاً.
ورغم اختلاف الآراء في ترتيب التحديات، فإنه من الممكن القول أن من أبرزها تغييب التكافؤ في المنافسة السياسية، وتفكيك القاعدة الطبقية لليسار، إثر نجاح الخصوم الطبقيين في الهيمنة على الثروة وآليات توزيعها، وتعطيل الإنتاج، وتذويب العمل السياسي فى شبكة مصالح تغذيها الزبائنية السياسية، وتسييد الاغتراب والفقر على الصعيد الاقتصادي، ومسخ التعددية الحقيقية على الصعيد السياسي، واستخدام كل من الطائفية السياسية تنظيماً للسلطة، والدين الطقوسي والشوفينية أيديولوجيا جامعة، والعشيرة أداةً للضبط الاجتماعي، من أجل إضعاف الوعي، وإيهام الطبقات الكادحة بان للصراع مجرىً طائفيا وقومياً، لا طبقيا.
ويكمن التحدي البارز الآخر الذي يواجه اليسار في توسيع مفهومه لقاعدته الاجتماعية ليشمل مختلف الفئات المتضررة من سياسات التهميش والاستغلال، وفي قدرته على بناء تحالفات واسعة، فضلاَ عن اختراقه مؤسسات الدولة، من برلمان ومجالس محافظات ونقابات وغيرها.
ولعل من بين أكثر تلك التحديات صعوبة تشبث بعض اليساريين بتقديس الفكرة، والسعي إلى قراءة الواقع بما ينسجم معها لا بما هو عليه، وهو ما يؤدي أحياناً إلى تضخم الذات، وتشتيت القوى، والرضا عن النفس، وعدم رصد الرأي العام قبل اتخاذ أي قرار. ويبقى الأمل مشرقاً، في أن تتحول ساحة اليسار لفضاء طلق مفعم بالاختلاف الخلّاق في إطار الوحدة.