منذ تشكيل الحكومة السابقة وحتى الآن ينشغل العراقيون بقلق بالغ جراء ارتفاع قيمة الدولار على حساب قيمة الدينار العراقي لما لهذا الارتفاع المتصاعد من انعكاسات شديدة الضرر والإرباك ليس فقط على الاقتصاد العراقي وانما وهذا هو المهم تأثيره على حياة الناس المعيشية وتحول شرائح اجتماعية واسعة على حافة خط الفقر وتحته.
وفي العودة إلى المبررات الأساسية التي دعت الحكومة إلى رفع سعر صرف الدولار كما ذكر في حينه من قبل البنك المركزي نجد تظافر السياستين النقدية والمالية بالارتباط مع الورقة البيضاء التي أعدها وزير المالية الأسبق وتحولت إلى منهاج للحكومة المؤقتة، لكننا كمتابعين لم نلمس أثرا للورقة البيضاء بدليل بقاء الاقتصاد كما عهدناه منكمشا ولم تتحقق العبارات المنمقة الواردة في الورقة، كما أنها لم تعالج الآثار الجانبية للورقة التي أضافت عبئا على حياة الناس ولم تحدد إطارا واضح المعالم لمستقبل سعر الصرف والحفاظ عليه من التغيرات الاقتصادية على المستويين الداخلي والخارجي.
وجدير بالإشارة إلى أن أسعار الصرف قد سجلت ارتفاعا سريعا في السوق الموازي هذه الأيام على الرغم من ان سعر صرف الدولار ظل ثابتا في القطاع الحكومي، فقد وصل سعر الدولار إلى اكثر من 1600 دينار ومن وجهة النظر الاقتصادية فإن هذا الارتفاع لا يستند إلى عوامل اقتصادية أو عوامل خارجية واضحة تدفع نحو الارتفاع بل أن ذلك الارتفاع المتسارع خارج إطار سياسة البنك المركزي يرتبط باهتزاز الثقة ومضاربات السوق السوداء وعمليات تهريب الدولار وردود فعل فئة من التجار على إجراءات البنك المركزي التي تتسم بالصرامة من خلال الرقابة بالتزامن مع إجراءات حكومية ومصرفية على عمليات بيع وشراء وتحويل الأموال والحد من الأموال الفاسدة التي يحركها الفاسدون لتحقيق المزيد من التراكم المالي خارج النظام المصرفي، ومن المعروف أن ارتفاع سعر الدولار يرتبط في العادة بحدوث تطورات تضر بالعراق او بإجراءات تصدر من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وهذه العوامل غير موجودة في الوقت الحاضر ولكن الأمر سيكون مختلفا عند استئناف تصدير النفط اذ ستتعزز قيمة الدينار أمام الدولار.
وعلى الرغم من الخطة الإصلاحية التي شرعتها الحكومة بصورة مشتركة مع المجموعة الدولية (FATF) إلا ان العراق عاد إلى القائمة الرمادية بموجب قرار المجموعة الشريكة الذي اتخذته في اجتماعها الأخير وبررت قراراها بأن العراق لا يزال بحاجة إلى اتخاذ إجراءات إضافية لمعالجة المخاطر المرتبطة بالتعاملات النقدية وتعزيز التحقيقات الخاصة بجرائم غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وتوسيع الاستفادة من المعلومات المالية في ملاحقة الجرائم الاقتصادية، ويبدو أن الإجراءات الأخيرة التي اتخذها رئيس الحكومة الحالي غير كافية ولابد من توسيع هذه الإجراءات لتشمل جماعات الصف الأول التي تحمي الفاسدين وتمنحهم الثقة بحصانتهم من الملاحقة القضائية، أي ان العراق لابد ان يكون خاضعا لمراقبة معززة إلى حين استكمال خطة العمل المتفق عليها، وإلا فإن أي تأخير في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة قد تفرض أعباء إضافية على الاقتصاد الوطني الذي يعاني من أزمة الركود والاختلال البنيوي. مما يتطلب من الحكومة تعزيز الشفافية والرقابة بما يطمئن المؤسسات الدولية والشركاء الاقتصاديين حيث ارتضى ربط سياسته النقدية بشروط تلك الجهات، إضافة إلى ربط اقتصاده بالسياسة الريعية التي سار عليها دون فكاك من تداعياتها.
نخلص من كل ما تقدم ولغرض تحقيق الاستقرار النقدي فان الحكومة مطالبة بما يلي :
1. إصدار التشريعات التي تلزم الجميع التعامل بالعملة الوطنية وإبعاد المصارف المشبوهة من التعامل مع النافذة التي يقف وراءها السياسيون الفاسدون وتشديد الرقابة على المضاربين بالعملة وضبط الحدود البرية وإحكام الرقابة على الخطوط الجوية للحد من عمليات تهريب العملة بطرق خبيثة.
2. مراقبة الكميات المباعة من نافذة البنك المركزي وتحديد حجمها في حدود الحاجة وتدقيق الاعتمادات المستندية التي يقدمها التجار والمصارف الاهلية وإدخال التكنولوجيا للتأكد من صحتها وإنزال العقوبات الصارمة بحق أصحاب الوثائق المزورة.