"أيها اليساريون، ماذا تريدون؟ هل يُعقل أن تطلبوا لبن العصفور؟ أو تنشغلوا بلون المظلة وأنتم تقفون تحت المطر؟!"
بهذه الأسئلة الاستنكارية، وسلسلة أمثال تبدو بلا معنى، دأب بعض الأصدقاء على مناقشة مواقف اليسار من حكومات المحاصصة. ولأنني وطّنت نفسي على أن أحمل كلام المختلفين معي على سبعين محملًا، أدعوا هؤلاء بمودة صادقة، إلى ألّا يستغرقوا في الهوامش ويغفلوا المقاصد، فاليسار الجذري لا يشبه الباقين، لا في الشكل ولا في الجوهر، لأنه ببساطة مكين في مواقف قطعية الدلالات، واضح الأهداف كالحقيقة.
فلم ينكر هذا اليسار يوماً أنه يريد نظاماً تُتخذ فيه القرارات السياسية لصالح الجميع، لا لصالح من يملكون الثروات الطائلة فقط. وإنه يريد نظام رعاية صحية مجانية تديره حكومة منتخبة من الشعب، لا من حيتان السحت الحرام، وتعليماً مجانياً يديره المجتمع لا اثرياء أميون، علاقتهم بالتربية والتعليم كعلاقتي باللغة الصينية. ويريد ألّا يبقى أحد بلا مأوى، وأن توفر مؤسسات الدولة المساكن للجميع لا لمن يستطيعون شراءها فقط. يريد توزيعاً عادلاً للثروة، يؤمّن حصة المحرومين منها، ويقدمها لهم كفرص عمل منتجة وضمانات تشبع حاجاتهم المادية والروحية، لا توزيعاً يزيد الأغنياء ثراءً والفقراء جوعاً.
ومن هنا يرفض هذا اليسار الخصخصة وفق وصفات الليبرالية الجديدة، فقد أثبتت له التجربة أن اقتصاد السوق المنفلت لا يمكن أن يضمن معيشة كريمة وحلولاً عادلة، رغم ما يحققه للمستثمرين من أرباح فلكية، وأن تلك الوصفات كانت وراء تفاقم الصراعات، وازدياد الفساد، وتقلص فرص العمل، واشتداد التضخم، وارتفاع معدلات الجريمة. ولأنها أدت، أينما طُبقت، إلى تغول الشركات الساعية للربح السريع، واستيلائها، بأبخس الأثمان، على كل ممتلكات المجتمع، وتحويلها أمراض الناس، وطلبهم للعلم، وحاجتهم لمسكن، إلى دجاجات تبيض لها ذهباً. وإن هذه الشركات لن تتورع، من أجل حماية أرباحها، عن ارتكاب أبشع الجرائم. وبالتالي، يرفض هذا اليسار تلك الوصفات، لأن (اللي يجرّب المجرَّب عقله مخرَّب)، كما يقول إخوتنا الشوام.
ولا يجد هذا اليسار مبرراً معقولاً لسيطرة طغمة من البيروقراطيين والطفيليين والإقطاعيات العائلية على النصيب الأكبر من ثروة المجتمع، ولهذا يسعى لتحرير التنمية الاجتماعية من هيمنتهم، وانتزاع حق المجتمع منهم، واستثماره في بناء رفاهية حقيقية للجميع، كي تتمحور السياسة حول تحسين حياة عامة الناس.
ولا يرفض اليسار حكم هذه الطغم لبلوغ العدالة فحسب، بل وكذلك لصيانة حرية البلاد والعباد، فقد أثبتت تجارب من سبقونا بأن هذه الطغم الصغيرة لا علاقة لها بالقضايا الأخلاقية "المعقدة"، ولا يترك لها إنهماكها في جمع المال، وقتاً تخصصه للدفاع عن استقلال البلاد وسيادتها، وحقوق الإنسان وكرامته، ووحدة شعبها ورفاهيته. وهي لا تتورع عن تمزيقها أرباً إذا تعارضت مع مصالح شركات أسيادها الأنكلوسكسكون وحلفائهم، بغض النظر عن كل ثرثرتها بشأن الكرامة الوطنية، والحقوق القومية، والقيم الدينية. إنها تمسح رؤوس الناس بيدها اليمنى، فيما تمتد يدها اليسرى خلسة، لجيوبهم لتسرق ما فيها. ويكفي أن ننظر لبلاد العرب والهند والسند وأمريكا اللاتينية وروسيا وأوكرانيا لنتأكد من صحة ذلك.
وأخيراً، يتصدى اليسار مسلحاً بثقة شعبه، للادعاء بأن المشكلة لا تكمن في العولمة الرأسمالية المتوحشة، بل في عدم قدرتنا، كشعب وثقافة وتاريخ وتنوع وجينات، على بناء اقتصاد السوق، ويفضح زيف هذه الأوهام قبل أن تلوث وعي الناس. فهل هناك أكثر وضوحاً وواقعية من هذه الأهداف؟ على الأقل عند من لا يرتضي تزيين الباطل، كي لا يكون أخطر ممن جهل الحق.