اخر الاخبار

اثارت الإجراءات الأخيرة المتخذة للحد من ظاهرة الفساد المتفشي ، وكشف استحواذ  عناصر في مواقع وظيفية متقدمة في مؤسسات الدولة على مبالغ ضخمة من المال العام ، حالةً من الارتياح الحذر. فقد استُقبلت بمزيج من الأمل والشك ، انطلاقا من تجربة  محاولات سابقة أقدمت عليها حكومات عدة، وبقيت حالات منفردة لم ترْقَ الى مستوى حملة وطنية شاملة، توظف فيها عناصر متعددة بما ذلك الرأي العام  ، لبلوغ أهدافها النهائية والغوص عميقا حتى الجذور، وليس استهداف أوراق منفردة  في شجرة ان سقطت فالارضية مهيأة  لكي تنمو شجرة غيرها .

 لم يعد المواطن ينتظر إعلانات واستعراضات، وهو الذي يعيش الكارثة كل يوم ويتلمس آثار الفساد في  حياته اليومية ، وانما بات يتطلع الى خطوات عملية جادة ونتائج يمكن قياسها ، تبيّن ان الحكومة وعموم مؤسسات الدولة ذات العلاقة جادة فعلا في معركة التصدي للفساد، الذي يكاد  باعتراف الجميع يخنق الوطن وقد غدا من اخطر التحديات التي تواجهه حاضرا ومستقبلا ، ومن اكبر العوائق امام أي توجه جدي للبناء والاعمار والتنمية والاستقرار  .

ومع المزيد من الإعلانات  عن كشف أموال هائلة  مسروقة ومنهوبة ، وشمولها عناصر كانت تصول وتجول في مؤسسات الدولة، فان دائرة تساؤلات المواطنين تكبر وتزداد ، ومنها مثلا   ؛ هل تمثل الحملة بداية  حقيقية لمعركة طويلة محتدمة ضد الفساد ، أم انها مجرد موجة مؤقتة مثل سابقاتها، تنطفيء بعد أيام ؟ وأين كانت الحكومات السابقة والأجهزة الرقابية وهيئات النزاهة طوال السنوات السابقة ، لتستفيق الان على هذه التلال من الترليونات والمليارات ؟ ولسان الحال يقول أيضا: لماذا لم يتم كشف هذه الملفات في وقت ابكر، رغم وضوح الكثير من المؤشرات والشبهات التي تحدثت عنها وسائل اعلام ومواطنون، وحتى تقارير للرقابة ؟ .

هذه التساؤلات وغيرها لا تعبر عن حالات من التشكيك فقط ، بل تكشف حجم الهوة وعدم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وهذا ما يتحمل المتنفذون مسؤوليته طيلة السنوات السابقة، وهم الذين اغدقوا الوعود وتحدثوا عن ملفات ظلت مغلقة حتى راهن الحال.

وما زال المواطنون يتحدثون عن ملفات كبرى ارتبطت بالفساد وهدر المال العام وسوء الإدارة والفساد المالي والسياسي ، بدءا من ملف داعش الإرهابي وما رافقه من انهيارات امنية وتساؤلات عن أسباب سقوط  المدن الواحدة تلو الأخرى، مرورا بملفات  العقود الوهمية وصفقات السلاح التي أثيرت حولها الشكوك، وعمليات تهريب النفط والتهريب عبر المنافذ الحدودية ، وصولا الى  المشاريع الفاشلة التي التهمت مليارات الدولارات دون ان يرى  المواطن اية نتائج، خصوصا ما له صلة بتحسين أوضاعه والتخفيف من معاناته.

وفي هذه الأوقات وإذ يعتبر السيد رئيس مجلس الوزراء ان " مكافحة الفساد أولوية "  ، يتكرر السؤال بشان قدرة الحكومة الحالية بتركيبتها وطريقة تكوينها وتاثيرات القوى المتحكمة بمساراتها وتوجهاتها ، على ان تصل الى جميع ملفات الفساد ، صغيرها وكبيرها ،وان تطبق القانون على الجميع؟ 

وهنا يتركز الحديث على مدى توفر الإرادة السياسية والقدرة لدى مؤسسات الدولة بما فيها القضائية، على خوض مواجهة حقيقية حتى النهاية مع شبكات الفساد المترابطة، والتي تتداخل فيها المصالح السياسية  والاقتصادية، والمغلفة بعناوين العشيرة والطائفة والمكون والمنطقة ؟! 

فالنجاح الحقيقي لهذه الإجراءات انما يقاس بمدى القدرة على تحويل ملفات الفساد جميعا الى

 احكام قضائية عادلة وشفافة ، كذلك القدرة على تنفيذها بما يستعيد هيبة الدولة وثقة المواطن .

وهذا يتطلب من بين أمور أخرى الابتعاد عن الانتقائية في فتح الملفات، او جعلها مرتبطة بلحظة صراع سياسي .

 فالمواطن لا يريد مجرد رؤية مسؤول غارق في الفساد خلف القضبان ، بل يريد بناء دولة تتصدى وتعالج جذور شجرة الفساد الخبيثة ، وهذا بدوره يوجب  التخلي عن نهج فاشل ولاد للازمات ، ويوفرغطاء سميكا حاميا  للفساد والفاسدين.