اخر الاخبار

لا تكتمل أرواح السائرين في دروب الحقيقة بخلاصها الفردي، فالنور الذي تبحث عنه قلوبهم يبقى باهتاً ما لم يمتدّ وجدُ العشق ليغمر قلوب الجميع، ويتجسد في الأرض رحمةً وعدلاً. من تلكم الأرواح انبثقت رؤى عميقة، لم ترتضٍ وجود عالم تتكدس ثرواته وسلطاته في أيدي قلّة، فيما تُترك أكثريته مهمّشة، تكاد تفقد آدميتها. ثم تحولت تلك الرؤى إلى فعلٍ جماعي يسعى لتحرير الإنسان من الاستغلال والاضطهاد والأنانية والجشع والعبودية.

ومن هذا الأفق ولدت الاشتراكية، فكرة تأسست على رفض مطلق لما جُبلت عليه الرأسمالية من أرجاس متعددة، يأتي في مقدمتها غياب المساواة السياسية. فبعد أن افتُضحت الادعاءات الليبرالية بالحرية والمساواة والإخاء، وبات جلياً أن المشاركة الشعبية في الحكم والنجاح الاقتصادي المتاح لكل فرد، ليسا سوى أوهام مضحكة في ظل آليات تستعبد الأغلبية وتُجبرها على بيع قوة عملها، جرى التضييق على النشاط السياسي والنقابي، وأُقصيت قطاعات واسعة عن السلطة، ولاسيما الفقراء والنساء وسكان الشعوب المُستعمَرة، وحُصرت حرية التعبير في المتحكمين بوسائل الإنتاج، وسُلبت مكتسبات الناس، وغُيّب وعيهم، فضعفت قدرتهم على التأثير في حياتهم وعملهم ودورهم السياسي. وامتد ذلك ليشمل العالم، حيث راحت المراكز الإمبريالية تخلق تشابكاً مالياً مع قوى طبقية تابعة لها في الدول النامية، وتمكّنها من الهيمنة على هذه الدول وتكيّف اقتصاداتها لصالح رأس المال المعولم، بما يضمن له استثمارات حرة وأرباحاً مضاعفة، دون أن تتورع عن استخدام العنف العسكري والاقتصادي لفرض هذه الاستراتيجيات، وبمستوى لا يُبطل المساواة السياسية داخل تلك الدول فحسب، بل ويمنع أيضاً قيام علاقات دولية متكافئة.  

ويتمثل الرجس الثاني بغياب المساواة الاقتصادية، حيث يمتلك واحد في المائة من الأمريكيين والأوربيين 70 و50 في المائة مما تمتلكه بلدانهم على التوالي، وحيث تتسع يوماً بعد يوم الفجوة بين الدول الغنية، التي يتجاوز فيها متوسط الدخل السنوي للفرد 40 ألف دولار، والدول الفقيرة التي لا يصل هذا المتوسط فيها لثلاثة آلاف دولار، في وقت بلغت فيه ديون هذه الدول ترليوني دولار. 

لم تنشأ هذه المأساة سهواً، بل جاءت نتيجة لقرارات سياسية واعية، أُعيد من خلالها توجيه الموارد نحو الأنشطة الأكثر ربحية للرأسماليين، على حساب أغلبية تعاني الفقر أو الهشاشة الاقتصادية. فبحجة تمكين الأسواق غير المنظمة من إدارة أكبر قدر من شؤون الدولة، باعتبارها "الأقدر على تحقيق الكفاءة والمرونة الاقتصادية، وبالتالي النمو"، اتُّخذت سلسلة سياسات الغت القيود على أرباح رأس المال، وخفضت الضرائب عليها، وحررت القطاع المالي لتعظيم أرباح البنوك، مقابل تقليص حقوق الشغيلة، كرفع الضوابط على الإيجارات والأسعار، وإضعاف أنظمة الرعاية الاجتماعية، وطرحها للاستثمار الخاص، بما يتيح للرأسماليين تحقيق أرباح من خدمات تموّل أساساً من المال العام.

ورغم أن تنظيم الاقتصاد بهذه القرارات، وليس جراء ندرة الموارد أو الضرورات الاقتصادية، قد أسفر عن حدوث أزمات خطيرة رافقت ارتفاع معدلات الفقر وانتشار المجاعات، وتزايد مشاعر الإحباط، وتراجع الأمن الوظيفي، واشتعال حروب إقليمية وداخلية، وحدوث خراب بيئي يهدد الحياة على الأرض، فإن هناك من لايزال يخاصم اليقين ويتمسك بوهم زرعته مصالحه في وعيه، مفاده أن انهيار التجربة الاشتراكية دليل على عقمها، متجاهلاً أن ثمار تلك التجربة، رغم عدم اكتمالها، ما زالت يانعة في بقاء جذوة الكفاح متقدة، وفي تواصل النضال من أجل العدالة والحرية وحقوق النساء وحماية البيئة، وفي اليقين بعدم إمكانية اصلاح النظام الرأسمالي، الا بتحطيمه.

هل عرفتم الآن، لماذا نحن اشتراكيون!