اخر الاخبار

لا تُكشف ملفات الفساد الكبرى في العراق دفعة واحدة، بل تتسرب أرقامها ووقائعها تدريجياً، وكأن الحقيقة نفسها تُدار بمنطق الجرعات المؤجلة. فـ"سرقة القرن"، التي قيل يومها إن حجمها لا يتجاوز 2.5 تريليون دينار، تتحدث المعلومات الرسمية اليوم عن أرقام لها تقترب من 8 تريليونات، مع وجود عشرات الشخصيات المرتبطة بالملف. والأرجح أن ما ظهر حتى الآن ليس سوى جزء من صورة أكبر.

المسألة هنا لا تتعلق بالرقم وحده، على فداحته، بل بما يكشفه هذا الرقم من طبيعة البنية التي سمحت بتسجيله. فمن الصعب تصور إمكانية نهب هذا الكم الهائل من الأموال من دون شبكات حماية ونفوذ وتشابك مصالح داخل مؤسسات الدولة وخارجها. ولهذا فإن القضية لم تعد تتعلق بأفراد متورطين بالفساد، بل بمنظومة كاملة أنتجته وحمته وتربّحت منه.

لكن الأخطر من السرقة نفسها هو ما جرى بعد السرقة. فهذه الأموال لم تختفِ في فراغ، بل تحولت إلى قوة اقتصادية وإعلامية وسياسية. جزء منها ذهب إلى شراء عقارات وأراضي ومجمعات تجارية، ما أسهم في رفع أسعار العقارات بصورة جنونية، حتى بات امتلاك قطعة أرض صغيرة أو منزل متواضع حلماً بعيداً بالنسبة لعشرات آلاف الشباب.

فحين يُضخ هذا الحجم من الأموال المنهوبة في سوق العقارات، يختلّ السوق كله، وترتفع الأسعار بصورة لا علاقة لها بالقيمة الحقيقية أو بحاجات المجتمع، بل بحركة أموال تبحث عن الغسل والتدوير والتوسع.

وفي المقابل، جرى الحديث عن "تسويات" واسترجاع أجزاء محدودة من الأموال، وكأن المشكلة يمكن اختصارها بإعادة نسبة يسيرة من المبلغ المنهوب. بينما الحقيقة أن هذه الأموال كانت قد تحولت، خلال السنوات الماضية، إلى استثمارات وأرباح ونفوذ داخل العراق وخارجه، بما يفوق أحياناً قيمة المبالغ المسترجعة نفسها.

ثم جاءت المرحلة الأخطر: تحويل المال المنهوب إلى أداة تأثير سياسي وثقافي. فبجزء من هذه الثروات جرى تأسيس استثمارات وشركات ووسائل إعلام، وتمويل جيوش إلكترونية قادرة على التأثير في الرأي العام، وعلى صناعة الصورة، وتشويه الخصوم، والتأثير حتى في المزاج الانتخابي والذائقة العامة.

وهنا تتكشف مفارقة قاسية: الأموال التي سُرقت من المجتمع، أُعيد استخدامها للتأثير على المجتمع نفسه، ولحماية المنظومة التي سمحت بالسرقة. وهكذا يتحول الفساد من مجرد جريمة مالية إلى أداة لإعادة إنتاج النفوذ والهيمنة.

وحين تتحدث لجنة النزاهة النيابية عن نحو ثلاثين شخصية مرتبطة بالملف، فإن السؤال لا يبقى: من سرق؟ بل ومن حمى؟ ومن سهّل؟ ومن وفر الغطاء السياسي والإداري لهذا النهب الهائل؟

فعمليات بهذا الاتساع لا يمكن أن تتم بمعزل عن شبكة مصالح نافذة، لا يزال كثير من أطرافها حاضرين في المشهد السياسي والاقتصادي.

إن أخطر ما تكشفه "سرقة القرن" ليس حجم الأموال وحده، بل حقيقة أكثر إيلاماً: أن الفساد في العراق لم يعد انحرافاً داخل النظام، بل أصبح جزءاً من كيانه ومن طريقة عمله، وآلية من آليات إنتاج الثروة والنفوذ.

ولهذا، فإن المشكلة لا تُختزل باسترجاع شيء من الأموال المنهوبة أو ملاحقة بعض الأسماء، رغم أهمية ذلك، بل ببناء دولة لا تسمح أصلاً بتحول المال العام إلى غنيمة، ولا بتحول الفساد إلى طريق للصعود الاقتصادي والسياسي.

فالدولة التي يُنهب فيها هذا الكم المهول من الأموال، بينما يقف الخريجون عاطلين، والفلاحون متظاهرين احتجاجاً، والعامل الخارجي متحكماً بالقرار السيادي .. لا تواجه مجرد أزمة فساد ..

بل أزمة نظام كامل سمح للنهب أن يتحول إلى قوة تتحكم بالاقتصاد والسياسة والوعي العام.