لم تعد الاحتجاجات في العراق أحداثاً معزولة، بل صارت لغة يومية تعبّر عن خللٍ يتكرر ويتسع. فكلما خرجت فئة تطالب بحقها، لحقتها أخرى، وكأن البلد يعيش دورة مفتوحة من المطالب التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
خرج الفلاحون يطالبون بحقهم في الأرض والعيش الكريم، ولحق بهم خريجو المجموعة الطبية والصحية، لا يطلبون امتيازاً، بل فرصة عمل تحفظ كرامتهم. وغداً ستخرج شريحة أخرى ثم أخرى لأن الأزمة لم تعد استثناء، بل أصبحت قاعدة.
هذا التتابع لا يمكن فهمه بوصفه مصادفة، فهو تعبير عن بنية اقتصادية - سياسية لم تعد قادرة على الاستجابة. فحين تتكرر المطالب، وتتشابه الشكاوى، وتتسع دائرة المحتجين، فإن المشكلة لا تكمن في فئاتهم، بل في طريقة إدارة البلد.
في الاقتصاد الريعي لا يتحدد موقع الفرد بقدرته على الإنتاج، بل بقربه من السلطة. تُضخ الأموال في قنوات غير إنتاجية، وتتوسع شبكات الفساد، بينما تتراجع القطاعات القادرة على توليد العمل واستيعاب الطاقات.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو البطالة رقماً اقتصادياً فحسب، بل نتيجة مباشرة لنمط إدارة الثروة. فخريجو الجامعات لا يجدون مكاناً لهم، ليس لأن البلد عاجز عن استيعابهم، بل لأن الاقتصاد لا يُدار بمنطق التنمية والحاجة الاجتماعية، بل بمنطق المصالح الضيقة.
وفي المقابل، تتراكم الثروة في يد فئة محدودة، ترتبط بمراكز القرار، وتتحكم بمفاصل الاقتصاد، من المصارف إلى الإعلام مرورا بالجامعات الاهلية، ومن العقود إلى الامتيازات. وهذه الفئة لا تمثل طبقة منتجة، بل طبقة ريعية تستمد قوتها من استمرار الخلل لا من معالجته.
وهنا يتداخل الفساد مع البنية الاقتصادية - الاجتماعية. إذ لم يعد الفساد استثناءً، بل صار جزءاً من آلية العمل. فالفرص تُمنح وفق الولاء، وتُدار الموارد بمنطق الصفقات، وتُعاد صياغة الاقتصاد بما يضمن استمرار هذه الحلقة.
في هذا السياق، تبدو الحركة الاحتجاجية نتيجة طبيعية. فهي ليست غضباً عابراً، بل تراكم ضغطٍ اجتماعي يبحث عن منفذ. وكل فئة تخرج اليوم إنما تعبّر عن موقعها في هذه المعادلة المختلة: فلاح يبحث عن حقه في أرضه وفي تسويق محصوله، وخريج يبحث عن عمل، ومواطن يبحث عن حدّ معقول من العيش الكريم.
لكن ما يلفت أكثر أن هذه الأصوات، رغم اختلافها، تلتقي عند نقطة واحدة: غياب العدالة في توزيع الفرص. وهذه النقطة تحديداً هي ما يكشف الطابع الطبقي للأزمة. فالأغلبية تتحمل الكلفة، بينما تستفيد الأقلية.
وفي المقابل، تنشغل طغمة الحكم بحسابات المقاعد، وكأن السياسة تدور في عالم منفصل عن المجتمع. تُناقش التحالفات، وتُعاد صياغة التوازنات، بينما تتسع الفجوة بين المترفين والمهمشين. وكأن الحكم لم يعد وسيلة لإدارة المجتمع، بل اصبح إطاراً لإدارة المصالح.
إن ما يجري اليوم لا يتعلق بمطالب تخص فئات محددة ، بقدر ما يتعلق باتجاه عام: اتجاه يقول إن النظام لم يعد قادراً على إنتاج حلول بحجم الأزمات التي يواجهها. انه قادر على إدارة التوازنات، لكنه عاجز عن إدارة التنمية.