اخر الاخبار

كشفت حرب الشرق الأوسط الأخيرة مدى هشاشة البنية الاقتصادية العراقية وأزاحت الستار عما تركه الاعتماد بشكل شبه كامل على الريع النفطي في تعثر النمو الاقتصادي وإهمال القطاعات الإنتاجية المدرة للدخل والمستوعبة للطاقات الشبابية العاطلة وعلى وجه الخصوص الصناعات التحويلية وتحويل منتجات القطاع الزراعي، الذي يعاني هو الآخر من الإهمال الحكومي، إلى صناعات تدخل في الاستهلاك اليومي وتصدير الفائض منها والتوقف عن استيرادها من دول الجوار.

فمن خيبات الحكومات المتعاقبة أنها أعلنت عن نشر خمس خطط وبرامج تشمل الفترات 2005-2007 ،2007- 2010 ،2010 -2014 ،2013-2017 ،وآخرها خطة 2023- 2028 لكنها لم تحصد شيئا من ثمارها، وبغض النظر عن فشل تلك الخطط ومبرراتها فكان مقررا أن تشرع وزارة التخطيط، وفقا للناطق الرسمي في الوزارة وقت ذاك،  لوضع خطة قصيرة المدى لمدة سنتين هما 2022-2023 تتكون محاورها من دعم الاقتصاد بمختلف قطاعاته ودعم الاستثمار والقطاع الخاص، والمحور الاجتماعي يتعلق بالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والبطاقة التموينية، والمحور الثالث يختص بردم الفجوات التنموية في المحافظات وليس معروفا عما انتجته تلكم الخطة.

ومن خيبات تلكم الحكومات بإجماعها فان تجربة وزارة الكهرباء على امتداد وجودها تظهر أن كافة الخطط الاستراتيجية قصيرة او متوسطة المدى لم تتواكب مع كثرة التصريحات والآمال المخدرة التي يطلقها المسؤولون في الوزارة المذكورة، فقد ذهب جزءٌ كبيرٌ - ربما يصل إلى نصف أو أكثر- مما أُنفق على مشاريعها ذهب مع الريح، إذ تبين أنها كانت أقرب إلى ملكية خاصة. فقد كان من الممكن أن يصل إنتاج العراق من الكهرباء إلى ما لا يقل عن 40 ألف ميكا واط وهو ما يسد حاجة البلاد المتزايدة باستمرار في ظل التكاثر السكاني وازدياد استهلاك الكهرباء. لكن أقصى ما وصل الإنتاج لم يزد على 23 ألف ميكا واط، وانخفض مؤخراً إلى أقل من 20 ألف ميكا واط بسبب تراجع إمدادات الغاز الإيراني المستخدم في المحطات الغازية العراقية. ولا يُغطي هذا الإنتاج إلا أكثر بقليل من نصف الحاجة العراقية التي تُقدَّر بحوالي 35 ألف ميكا واط، مما يؤدي إلى استمرار انقطاع الكهرباء لساعات طويلة في اليوم قد تتجاوز الـ 12 ساعة في ذروة ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف.

ولا شك أن تراجع الصناعة الوطنية  وخاصة التحويلية يعود هو الآخر  لجملة من الأسباب  السياسية  والتدخل الخارجي وانتشار الفساد في جهاز الدولة بسبب شكل  وطبيعة النظام بعد الاحتلال الأمريكي، وفي الاستفاضة في فرش هذه الأسباب يمكن القول إن الأسباب السياسية تتلخص أساسا في السياسة الاقتصادية التي مارستها  حكومات ما بعد الاحتلال التي تعلقت أفكارها بأهداب البرنامج الذي وضعه الحاكم الإداري الأمريكي والذي شرع لما اسماه بحرية التجارة وحركة رؤوس الأموال التي فتحت الحدود أمام هروب رؤوس الأموال التي لم تجد لها بيئة مناسبة للنشاط في سوق انتعشت فيه المخاطر الأمنية الموصوفة بالطائفية  الناشئة في الداخل والداخلة من دول الجوار الإقليمي، ومن هنا يأتي عامل التدخل الخارجي الذي يتمثل بجملة من الظواهر بينها سياسات الإغراق التي اتبعتها دول الاقتصادات الكبرى بهدف السيطرة على السوق العراقية التي أهملت الحكومات المتعاقبة مواجهته بتطبيق القوانين التي تم تشريعها في عام 2010 والمتمثلة بقانون حماية المنتج المحلي وقانون منع الاحتكار وقانون حماية المستهلك

إن ما تقدم من فشل السياسات الاقتصادية وما تمثله من هدر مالي يقدر ب 1500 مليار دولار فضلا عن ضياع إثنين وعشرين عاما من عمر العراقيين وتراجع خطير في عمليات التنمية المستدامة وبضمنها تدهور في الخدمات التي يحتاجها العراقيون في مجالات الصحة والتعليم والبيئة التي أكد عليها الدستور العراقي، كلها تلزم الحكومة القادمة في إعداد برنامج إصلاحي يتخطى خيبات الحكومات السابقة ويضع البلاد على أعتاب مرحلة جديدة فهل ستكون جديرة بمثل هذا البرنامج أم أنها ستضيف رقما جديدا إلى تلك الحكومات؟