في النصف الأول من القرن العشرين، حين كان العراق يرزح تحت وطأة الاضطراب السياسي والاجتماعي، بزغ صوت فريد تخطّى حدود الغناء، ليمسّ وجدان الناس وضمائرهم، صوت كان يحمل في نبرته الاحتجاج والمرارة والسخرية والصدق، هو صوت الفنان عزيز علي، الرائد الأول لفن المنولوج في العراق، والناطق باسم الشعب حين كان الصمت يفرض على الجميع.
ولد عزيز علي عبد العزيز في بغداد، في جانب الكرخ – محلة الشيخ بشّار سنة 1911، ونشأ في بيئة بغدادية نابضة بالحياة والوعي الشعبي. أكمل دراسته الابتدائية في مدرسة الكرخ سنة 1924، ثم واصل دراسته الثانوية حتى نال شهادته عام 1931. غير أن شغفه بالوطن سبق شغفه بالعلم، ففُصل من المدرسة سنة 1927 لمشاركته في تظاهرة طلابية كبرى خرجت تنديدًا بزيارة السياسي البريطاني سير ألفريد موند إلى بغداد، في زمن كانت فيه الكلمة الحرة تُعدّ جريمة.
عمل موظفًا في الكمارك سنة 1928، لكنه فُصل من عمله، واعتُقل سنة 1941 في معتقل العمارة بسبب نشاطه الإذاعي الداعم لثورة مايس ضد النفوذ البريطاني، ولم يُفرج عنه إلا بعد عامين من الاعتقال. وبعد أن أعيد إلى الوظيفة سنة 1949، تنقّل بين دوائر الدولة حتى عُيّن في وزارة الخارجية، ثم في سفارة العراق ببراغ، ثم في تونس، ومنها فُصل ثانية سنة 1962. لكنه لم يلبث أن عاد إلى الخدمة، ليلتحق بوزارة الثقافة والإرشاد، حيث ازداد إشعاعه الفني والفكري.
منذ انطلاقة إذاعة بغداد، كان صوته يملأ الأثير، لا بوصفه مغنيًا أو ملحّنًا فحسب، بل ككاتبٍ يبتكر لغته الخاصة، ينسج كلماته من لهجة الناس وأوجاعهم، فيؤلف ويلحّن ويؤدي بنفسه ما كان يسميه بـ "المقال المغنّى"، وهي تسمية تختزل وعيه العميق بدور الفن كمنبر حرّ، لا كترفٍ وترفيه.
امتاز عزيز علي بجرأته النقدية، فقد كان في مرحلته الأولى (1937–1939) ناقدًا اجتماعيًا لاذعًا، ثم تحول بعد ذلك إلى ناقد سياسي صريح، لا يوارب ولا يجامل. وقف إلى جانب الثورة، وآمن بها إيمانًا مطلقًا، فدفع ثمن مواقفه اعتقالًا وتشريدًا وفصلًا من العمل. ولعل من أشهر مقالاته الغنائية ما قدّمه في سنة 1958، قبيل سقوط العهد الملكي، ومنها "هذي السنة سنة" و" كل حال يزول"، وهما نشيدان كانا بمثابة نبوءة بانتهاء مرحلة وبدء أخرى.
لم يكن عزيز علي فنانًا يعيش من فنه، بل عاش له. لم يُعرف عنه أنه شارك في حفلات خاصة أو تقاضى أجرًا لقاء أدائه، فقد كان يرى في صوته أمانة لا تُباع. وكان جمهوره العريض – من فقراء بغداد وبسطائها – ينتظر منولوجاته بشغف، إذ وجدوا فيه المتحدث باسمهم، ولسان حالهم الذي يجرؤ على قول ما لا يُقال.
كان يقول في أحد منولوجاته مخاطبًا الناس: "يا ما حجّيت وقط ما فاد، محد يسمعني يا عباد..." إنها صرخة الشعب في صوت رجلٍ واحد، يواجه العجز واللامبالاة والفساد. وفي منولوج آخر يصف حال القانون في زمن التفاوت الطبقي فيقول: "القانون عنده سنطور، ويكدر يلعب بالدور...". هكذا كان يرسم بالرمز الساخر ملامح مجتمع يضيع فيه الحق بين قصور الأغنياء وأكواخ الفقراء.
ومع حلول شهر رمضان سنة 1956، أطلّ عبر الإذاعة بعملٍ جديدٍ جمع فيه السخرية بالتراجيديا، حين أنشد منلوجه الشهير الذي استهله بقوله:
"رمضان... الناس جواعه، رمضان... يراد لها شفاعة"
لقد كانت سخريته مرة، لكنها صادقة، تصدر من قلبٍ يرى الظلم ويفضح العبث.
سافر عزيز علي ممثلًا للعراق إلى ألمانيا، والاتحاد السوفيتي، وفرنسا، وإنكلترا، والكويت، فكان خير سفيرٍ للفن الملتزم. وفي سنة 1968 أوكلت إليه وزارة الثقافة مهمة تأسيس مدرسة الأطفال الموسيقية، فاستقدم الخبراء واستورد الآلات، غير أنه ما لبث أن استقال عندما ألحقت بها مدرسة الباليه، إذ رأى في ذلك ابتعادًا عن هدف المشروع التربوي الموسيقي الذي أراده.
ظلّ عزيز علي وفيًّا لمبادئه حتى آخر أيامه. قاوم التهميش، وصبر على الفقر، واحتمل ظلم السلطات، لكنه لم يحدّ عن نهجه الحرّ. وكان الناس، حتى أواخر حياته، يتداولون منولوجاته كوثائق حيّة تؤرخ لوجع العراق، من “شوباش” إلى “عيش وشوف” و“كل حال يزول” و“تهنة بهل بيده”، وغيرها من روائع تجاوزت حدود الأغنية لتغدو مرآةً لزمنٍ كامل. رحل الفنان الكبير عزيز علي سنة 1998، تاركًا وراءه تراثًا فنيًا وفكريًا خالدًا، ومكانة لا يطاولها أحد في تاريخ الفن العراقي.
لقد كان صوت الضمير الشعبي في زمنٍ كثر فيه المدّاحون وقلّ فيه الصادقون، وكان بحقّ أول من جعل من المنولوج سلاحًا للوعي، ومن الكلمة المغناة ثورةً تمشي على لسان الفن.