تبدأ الحكاية التي يعرفها العراقيون جيداً.. حكاية الذين خرجوا من الهامش في تسعينات القرن الماضي، من بسطيات شارع الكفاح وغيرها، بثروات محدودة لا تتجاوز في أحسن الأحوال بضعة آلاف من الدولارات، ليصبحوا اليوم من أصحاب المليارات ومراكز النفوذ، بل ومن صُنّاع القرار.
لم يأتِ هذا التحوّل نتاج عبقرية اقتصادية أو مشروع إنتاجي، بل جاء عبر بوابة ما عُرف باللجان الاقتصادية للقوى المتنفذة، تلك التي تحوّلت إلى مظلات منظّمة للنهب، تُدار فيها صفقات الفساد كأنها "أعمال اعتيادية"، وتُشرعن فيها السرقة بوصفها إدارة للاقتصاد. وفي هذا السياق، برز مزاد العملة، الذي كان يفترض أن يكون أداة لتنظيم السوق، فإذا به يتحول إلى قناة مفتوحة لتراكم الثروة السريعة، بلا جهد إنتاجي أو غير انتاجي ولا مخاطرة حقيقية.
ومن خلال الارتباط بمراكز القرار، جرى تضخيم الأرباح، وتوسيع شبكات المصالح، حتى نشأت طبقة جديدة ليست طبقة رجال أعمال بالمعنى التقليدي، بل طبقة ريعية- مالية، ارتبطت عضوياً بطغمة الحكم.
هذه الطبقة لم تكتفِ بالإثراء، بل سعت إلى ما هو أبعد، الى الحماية، ثم النفوذ، ثم مسك القرار. فحين تُراكَم الثروة في بيئة غير مستقرة، يصبح البحث عن الغطاء السياسي ضروريا لها. وهكذا، انتقل هؤلاء من موقع "المستفيد من السلطة" إلى موقع "الشريك فيها"، بل والمتحكم بجزء من مفاصلها.
وحين امتلكوا المال، وأسسوا البنوك، واستثمروا في الإعلام، وبنوا جيوشاً إلكترونية قادرة على التأثير في الرأي العام، لم يعودوا بحاجة إلى وساطة، بل أصبحوا هم الوسيط، وأحياناً حتى صُنّاع القرار.
هنا تتبدل قواعد اللعبة. فالمجالس التشريعية (البرلمان، مجالس المحافظات)لا تُرى بوصفها أدوات رقابة وتشريع، بل كامتداد للنفوذ الاقتصادي. فيما المناصب التنفيذية لا تُفهم بوصفها مسؤوليات عامة، بل كأدوات لإدارة المصالح الخاصة. وبذلك، يذوب الحد الفاصل بين المال والسلطة، ويتحوّل الاقتصاد إلى سياسة، والسياسة إلى استثمار في الفساد.
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بكيفية صعود هذه الطبقة، بل بقدرتها على إدارة البلد. فهل يمكن لاقتصاد بُني على الريع والفساد أن ينتج حلولاً لأزمة بلد؟ وهل يمكن لطبقة تشكّلت مصالحها في ظل الاختلال أن تقود عملية إصلاح حقيقية؟
الجواب، كما تشير الوقائع، ليس مطمئناً. فهذه الطبقة، بحكم نشأتها، ليست معنية بإعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية، لأن ذلك يعني تغيير قواعد اللعبة التي صنعت ثروتها. وهي ليست معنية بمحاربة الفساد، لأن الفساد هو البيئة التي ازدهرت فيها. بل إن استمرار الأزمة يصبح، في كثير من الأحيان، شرطاً لاستمرار نفوذها.
في هذا السياق، لا يعود مستغرباً أن يتسع نفوذ هذه الفئة داخل مؤسسات الدولة، وأن تتحول من لاعب في الظل إلى لاعب في العلن. وإن ما نشهده اليوم ليس مجرد صعود أثرياء جدد، بل تشكّل بنية اقتصادية- سياسية مشوّهة، تُعيد إنتاج نفسها عبر المال والنفوذ والإعلام. بنية قادرة على إدارة مصالحها، لكنها عاجزة عن إدارة الدولة.
وهكذا صار المال طريقاً إلى الحكم، وصار الحكم وسيلةً لمراكمة المال.