اخر الاخبار

تداولت منصات التواصل إعلاناً بعنوان "عراق موحد"، أُُنتج بتعاون جامعة البيان مع ثلاث شركات للفندقة والتسويق والمقاولات. ولا يبدو واضحاً ما الرابط بين هذه الجهات التعليمية والتجارية وبين إنتاج عمل يُفترض أنه يحمل رسالةً وطنيةً وثقافيةً. غير أن الجدل لم ينشأ من تعدد الجهات المنتجة لفيلمٍ دعائي قصير، بل من مضمون المشهد نفسه.

 ففيه يظهر الشاعر محمد مهدي الجواهري، بتقنية الذكاء الاصطناعي، وهو يقدم الشاي لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني، في لحظةٍ موحيةٍ بالإذلال، كما يظهر نوري السعيد في لقطةٍ مماثلةٍ مع محمد الحلبوسي.

المسألة هنا ليست اعتراضاً على الفن أو على استخدام التقنيات الحديثة، بل على الرسالة التي أرادت الجهات المنتجة إيصالها. فالرمز الثقافي لا يُستحضر كعنصرٍ خدمي داخل مشهد دعائي، بل بوصفه حاملاً لذاكرةٍ جمعيةٍ. وعندما يُقدَّم شاعر بحجم الجواهري في موقعٍ بروتوكولي تابع، تتحول الفكرة من جمعٍ بين الأزمنة إلى خلطٍ بين المواقع: مثقفٌ خلد إبداعُه في الأسفل، وفوقه سياسي يغادر منصبه وهو يترك جدلاً أكثر مما يترك أثراً.

الجواهري لم يكن شاعراً عابراً في تاريخ العراق، بل كان جزءاً من ضميرٍ جمعي وذاكرة لغوية يعيش بها الناس أكثر مما يعيشون بأسماء الحكومات. السياسي يعيش مرحلته مهما طال حضوره، لكن الشاعر يعيش في الوجدان. قد تختلف الأجيال حول سياسات الحكومات، لكنها لا تختلف حول: "يا دجلة الخير… يا أم البساتين".

وحين تُقدَّم هذه الرموز بوصفها عناصر خدمية تابعة، فإن الأمر لا يقف عند حدود صورة غير موفقة، بل يكشف سطحية في النظر إلى الثقافة ذاتها، كأنها مادة قابلة للاستخدام المؤقت.

ولا يقف الأمر عند الإعلان. ففي قبة مجلس النواب، أعلى سلطة لتمثيل شعب عريق، شهدنا تداول عبارة "إيدك لك" بنبرة حادة وصيحات أقرب إلى سجال سوقي منها إلى خطاب دولة.

في المقابل، تُواجَه مبادرات القراءة والأنشطة الثقافية، أحياناً، بالتردد وحتى التضييق. وهنا تظهر المفارقة: فالثقافة تُستدعى حين تكون زينة، لكنها تُقلِق حين تتحول إلى فعل. القراءة لا تمنح معرفةً فحسب، بل تخلق سؤالاً، والسؤال بداية التفكير. والمجتمعات التي تفقد عادة القراءة تفقد قدرتها على التمييز بين المعنى والاستعراض.

بين مشهد الجواهري في إعلان، وعبارة "إيدك لك" في البرلمان، والتعامل المتحفظ مع نشاط ثقافي، هناك خيطٌ واحدٌ واضح: كلما تراجع دور الثقافة تقدّمت الرثاثة لتملأ الفراغ. غير أن المجتمعات لا تستقر بالضجيج طويلا، فهي تحتاج وعيا يحفظ توازنها. أما حين تتصدر التفاهةُ المشهدَ، فإن الانحطاط لا يعود حادثاً عرضيًا، بل يصبح مناخاً عاماً.

الناصرية قرأت.. وستبقى تقرأ. لأن الثقافة ليست ترفاً، بل حاجة اجتماعية. وحين يدافع المجتمع عن رموزه وحقه في المعرفة، فإنه لا يستعيد الماضي فحسب، بل يحمي مستقبله من أن يُختزل في لحظةٍ عابرةٍ من الضجيج.