لسنا ضد التعرفة الكمركية من حيث المبدأ. فالدول ذات السيادة تستخدم الرسوم أداةً لتنظيم تجارتها، وحماية إنتاجها الوطني، ودعم صناعتها وزراعتها. لكن لكي تكون التعرفة عادلة ومنصفة، يجب أن تأتي ضمن سياق تنموي واضح، وسياسة اقتصادية متكاملة تدعم الإنتاج المحلي وتخلق بدائل حقيقية. أما حين تُستخدم كمسكّن مالي لسد عجزٍ متراكم، فإنها تتحول إلى جباية، والجباية التي تمس الدواء والغذاء تصبح ضغطاً مباشراً على الفئات الأكثر هشاشة.
وسط هذا الواقع، جاء الإضراب العام للتجار الاحد الماضي في بغداد، وأعقبته تظاهرات احتجاجاً على قرار زيادة التعرفة الكمركية. القرار الذي يُفترض ان يعالج العجز المالي، لكنه في جوهره يلقي بكلف السياسات الاقتصادية الفاشلة على كاهل الناس.
ان الأزمة المالية ليست رقماً في الموازنة، بل هي واقع يومي تعيشه الطبقات ذات الدخل المحدود. الموظف الذي لا يكفيه راتبه نصف شهر، والعامل الذي يلاحق لقمة عيشه في سوقٍ مضطرب، والمتقاعد الذي يحسب ثمن الدواء قبل شرائه. فكل زيادة في الأسعار تعني اقتطاعاً من الصحة أو التعليم أو الغذاء. وهؤلاء جميعاً يدفعون ثمن سياسات لم يشاركوا في صنعها. وفي المقابل، تتسع الفجوة الطبقية: قلةٌ تتمتع بامتيازات ورواتب ومخصصات عالية، وأغلبية تكافح لتأمين ضرورات العيشٍ.
إن تحميل الفئات الفقيرة ومحدودة ومتوسطة الدخل كلفة العجز المالي ليس إصلاحاً، بل إعادة توزيعٍ عكسي للثروة. فبدل أن تتحمل الطغمة وحاشيتها، والشرائح الأعلى دخلاً، وأصحاب الصفقات السريعة والمشاريع الوهمية والأرباح الكبيرة، نصيباً أكبر من الأعباء، تُدفع الفاتورة من جيوب الطبقات الكادحة والمهمّشة.
ان المعالجة الحقيقية تبدأ من ضبط الامتيازات، لا من زيادة الرسوم. تبدأ من خفض رواتب ومخصصات الدرجات الخاصة والعليا، وإلغاء الامتيازات غير المبررة، ووقف النفقات التشغيلية التي لا تخدم التنمية. تبدأ من فرض ضرائب تصاعدية عادلة على الأرباح الكبيرة ورؤوس الأموال، ومن استعادة الأموال المنهوبة، وفرض سلطة القانون على المنافذ الحدودية، وضمان جباية شفافة لا تستثني متنفذاً.
كما تبدأ من رؤية اقتصادية تُخرجنا من أسر الريع، وتبني اقتصاداً منتجاً يخلق فرص عمل حقيقية، ويعيد الاعتبار للزراعة والصناعة، ويدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة. فالتنمية ليست شعاراً، بل شرطٌ لحماية المجتمع من الابتزاز المالي المتكرر.
ان العيش الكريم ليس ترفاً، بل حق دستوري وأخلاقي. والمجتمع الذي يُطالَب بالصبر، من دون أن يرى إصلاحاً يبدأ من القمة، يفقد ثقته بالدولة. فالإصلاح يُقاس بما يؤدي اليه من عدالة اجتماعية، وبقدرته على تقليص الفجوة الطبقية وصون كرامة المهمشين.
الخيار واضح اذن.. إما إصلاح يبدأ بتنفيذ سياسية تنموية فعالة، أو اجراءات ترقيع تدفع الأزمة نحو الأسفل. وان أيّة سياسة لا تضع معيشة الناس في صلبها، لن تكون سوى تأجيلٍ لانفجارٍ لا مفرّ منه.