اخر الاخبار

ما يجري في سوريا ضد الأكراد من قتل خارج القانون، وتمثيل بالجثث، وترويع للمدنيين، لا يجوز التعامل معه كحدث عابر أو انفلات لحظي. نحن أمام نمط فاشي، يراد له أن يفعل كرسالة سياسية. إذ يبدو ان هذا الزمن هو زمن الغلبة، زمن إخضاع الشريك في الوطن، بعيداً عن اعتباره مواطناً ذا حقوق، وبوصفه هدفا يمكن الاعتداء عليه بلا رادع.

الأخطر أن هذه الرسالة تتغذى من روح شوفينية وعنصرية، ترى في الكردي عدواً لا شريكا في الوطن، وترى في لغته ووجوده وحقوقه "فائضاً" يجوز شطبه حين تحضر البنادق. وعندما تُستدعى الشوفينية إلى الميدان، تتحول الدولة من إطار جامع إلى أداة انتقام وآلة إقصاء. وليس من قبيل المصادفة أن تورد وزارة الأوقاف السورية سورة الأنفال في بيانها الداعم لحرب الإبادة، فذلك يستحضر في الذاكرة فورا جرائم الأنفال التي نفذها نظام الدكتاتور صدام حسين، تلك الجريمة المنكرة التي بلغت ذروتها في خواتيم عام 1988.

ولا نحتاج في مواجهة هذا كله الى الانحدار نحو الغموض. فالإدانة هنا واجب أخلاقي وسياسي، لأن الصمت أمام هذه الانتهاكات ليس حياداً، بل تواطؤاً. وتبرير الجريمة تحت عنوان "الحرب على الإرهاب" أو "استعادة السيطرة" يفتح الباب أمام إرهاب من نوع آخر: إرهاب السلطة حين تتحول إلى مصدر للكراهية، وحين تُمنح البنادق حق الفصل بين من "يستحق" الحياة ومن يُدفع إلى الهامش.

ولا يمكن، في هذا المشهد، تبرئة الفاعل الأميركي. فواشنطن هي التي صنعت شروط الشراكة، ثم تراجعت عند مفترق الاختبار، وحوّلت الأكراد من حليف في مواجهة داعش إلى "خيار تفاوضي" في هندسة أمنية باردة. وهذا تفريط سياسي يرفع الغطاء ويمنح منطق الهيمنة رخصته. وبه يُكافَأ الشرع (الجولاني) بشرعية الأمر الواقع، بدل أن يُجبَر على وقف العنف، وأن تُرسَم حدودٌ صارمة لمن يمسك بالسلاح.

تركيا من جانبها تدفع نحو الحسم العسكري باسم "الأمن القومي". وتختصر القضية الكردية في تهمة جاهزة وذريعة ارتباط "قسد" بحزب العمال الكردستاني   PKK. وهكذا يُقدَّم الخيار العسكري بوصفه الحل الوحيد، وكأن سوريا لا تُبنى إلا على كسر أحد مكوناتها.

أما إسرائيل فهي المستفيد الأكبر. لا تحتاج احتلالاً جديداً كي تفرض أجندتها، يكفيها أن ترى السوريين منشغلين بجرحهم الداخلي، فتوسّع هامش حركتها، وتُقايض السلطة الجديدة على "تهدئة" تشبه الاستسلام الصامت، وتنتزع ما عجزت عن انتزاعه من السابقين: واقع أمني مريح، وسوريا أقل قدرة على قول "لا"، وأكثر استعداداً لقبول ما يُفرض عليها بحجة تفادي الأسوأ.

ان أية سلطة تبدأ بقمع العلويين، ثم تعتدي على الدروز، ثم تطلق العنان ضد الأكراد، ستنتهي بإهانة الجميع. وان دولة تُبنى على الشوفينية، لن تُوحّد البلاد، بل ستقسمها حتى لو وحدتها على الورق.

والمطلوب واضح: وقف الانتهاكات فوراً، وتجريم خطاب الكراهية والتحريض، ومساءلة الجناة علناً، والاعتراف بأن الحقوق القومية والثقافية للكرد ليست بنداً تفاوضياً، بل جزءاً من عقد المواطنة. فسوريا لا تحتاج دولة قوية على شعبها، بل دولة قوية بالقانون. والقانون لا يُكتب بالرصاص، بل يُصان حين تُحمى كرامة الإنسان، أيّا كان اسمه ولغته وانتماؤه.