لا يكاد يمرّ يومٌ دون أن تشهد الساحاتُ احتجاجاتٍ شعبية، مطلبيةً كانت أم سياسية، حتى لم تعد مقاربةُ الطبيعة الطبقية للمنظومة الحاكمة ترفًا فكريًا، بل أداةً ضرورية لفهم معالم هذا الصراع الطبقي ومآلاته القريبة وغير المنظورة.
ولكي تكون مقاربة كهذه مثمرة، لا بدّ لها من الاعتراف بنجاح الإمبريالية في إحداث تحوّلات هيكلية قبل عام 2003، تبلور خلالها نموذجٌ واضحٌ للدولة الريعية ـ الاستبدادية، التي هيمنت عليها دائرةٌ ضيّقة من البيروقراطيين والطفيليين، فاحتكرت الريع النفطي، واستغنت عن المجتمع، وأذاقته مرارة قمعٍ وتجويعٍ غير مسبوقين، وأشعلت الحرب ضد إيران، ثم غزت الكويت، وتسبّبت هزيمتها هناك بفرض حصارٍ مدمّر أفضى لتضخّمٍ هائل وتغيّراتٍ مجتمعية كبيرة.
وتواصلت تلك التحوّلات بعد احتلال العراق؛ فجراء تدهور مساهمة الزراعة في الدخل القومي من 9 إلى 4.5 في المائة، والصناعة من 14 إلى 1.8 في المائة، جرى الاعتماد على النفط في 90 في المائة من الواردات وبات الاقتصاد ريعيًا بامتياز، وشهد نمط التراكم تضخّمًا هائلًا في قطاعات العقارات والاستيراد وتجارة العملة. وفي ظل تفكيك المصانع، وغياب شركات التصدير والتكنولوجيا، نمت فئاتٌ برجوازية طفيلية جديدة، تضمّ كومبرادورًا وسماسرة ومهرّبين، لا تنتج قيمةً حقيقية، بل تعيش على الريع (النفط، العقود الحكومية، العملة، الأراضي)، وتحقّق أرباحها عبر الوساطة والاحتكار والفساد والاستيراد.
وانتقل النفوذ من الفئات البيروقراطية القديمة إلى فئاتٍ بيروقراطية جديدة، تشكّلت من خلال جهازٍ إداريٍّ متضخّم يضمّ كوادر أحزاب ومسؤولين حكوميين. واندمجت هذه الفئات البيروقراطية وحليفتها الطفيلية، بغضّ النظر عن قوميتها أو طائفتها، مع السلطة السياسية، في تحالفٍ سيطر على القرار الاقتصادي، وحوّل الدولة إلى ما يشبه الغنيمة.
كما نجح تسعير الاستقطاب الطائفي والعرقي في تمزيق المجتمع إلى مكوّنات متناحرة، بدا معها المحتلّ حكمًا ومنقذًا، وبات القبول بديمقراطيته التوافقية أمرًا محمودًا، حتى حين أُوكل تمثيل هذه "المكوّنات" إلى تلك الفئات نفسها، التي سرعان ما أدركت انسجامها مع خطط المحتلين، المباشرين وغير المباشرين، فربطت مصيرها بهم، وخضعت طوعًا لإرادتهم، وتقاسمت السلطة والثروة، واستخدمت الهويات الفرعية رافعةً للهيمنة، وأنشأت، عبر التحكّم بتوزيع الريع والفرص على أساس الولاء لا الكفاءة، آلاف شبكات الاتّباع لتحميها.
وأسفر كلّ ذلك، خلال عقدين من الزمن، عن تعمّق التفاوت الطبقي بين المتخمين، الذين قارب عددهم المليون، وبين ملايين المحرومين والأفواه الجائعة؛ إذ تشير الإحصاءات إلى بلوغ نسبة من هم دون مستوى الفقر 9 في المائة في إقليم كردستان، و20 في المائة في المحافظات الغربية، و31 في المائة في محافظات الوسط والجنوب. كما أفضى ذلك إلى تشويه الشكل الفيدرالي للدولة، وتحويله من حلٍّ للقضية القومية وتوسيعٍ للمشاركة الشعبية إلى ساحة صراع يفسّر كلّ طرفٍ فيها الحقوق والواجبات وفق مصالحه الشخصية والفئوية، وإلى استبدال الحلم الديمقراطي بكابوسٍ، مذ راحت تتحكّم أحزابٌ قومية وإثنية وسلاحٌ منفلت بالسلطة والاقتصاد والمجتمع، وتنظّم الانتخابات، وتراقب نزاهتها، وتُقصي مخالفيها والأقليات العرقية والدينية عن مراكز القرار.
ومن البداهة أن ينجم عن كل هذه التناقضات صراعٌ طبقيٌّ حادّ بين من نُهبت حصّتهم من الثروة الوطنية، أو انتُهكت حقوقهم القومية والثقافية المشروعة، أو خُيّبت آمالهم في تحقيق الحرية والعدالة، وبين التحالف الحاكم. وهو صراعٌ يتمظهر في حراكٍ شعبيٍّ متواصل، يتمكّن التحالف الحاكم من السيطرة عليه حينًا عبر شبكات زبائنية، ولا سيّما عند وجود وفرة مالية، وحينًا آخر بالقمع حين تنخفض أسعار النفط، لكنه يبقى حراكًا حيًّا وعصيًّا على الوأد.