لم تكن مأساة صبيٍّ وحسب! تلك الحادثة المروّعة التي أودت بحياة الصبي (حيدر أو كرّار) ذي الاحتياجات الخاصّة، الذي كان مجبراً على بيع الشاي في أحد شوارع مدينة النرجس في تنّومة البصرة. فقد دهسته شاحنة (تريلة) بسبب رعونة سائقها وعدم قدرة الصبي على المشي لأنه معوّق، وليبتعد سريعاً بعدما مال عليه بسيّارته تاركاً رأسه يتدحرج بعيداً عن جسده الضامر، ومبعثراً عدة شايه الذي كان يحلم ببيعه كي يعود لأبيه بما أجبره عليه. إنها مأساة وطن تكالبت عليه الذئاب وتسيّد على مقدّرات الناس فيه الفاسدون، سارقو الكحل من العين واللاعبون على خمسين حبلاً كالبهلوانات، لتسوء الخدمات وتتردى الأخلاق ويكثر العاطلون وتعلو نسبة الفقر والعوز وما إلى ذلك !
لو كانت عائلته في بحبوحة من العيش، لما اضطرّ أبوه إلى إجباره على ترك المدرسة، وتشغيله ببيع الشاي على قارعة الرصيف رغم ما كان يعانيه من عوق. هذا إذا كانت الحكاية هكذا، أما إذا كانت غير ذلك فتعود إلى تردّي الأخلاق، التي بات الناس لا ينتابهم خجلٌ، أو يراعون حرمةً، فصار الأب يظلم أبناءه ويجبرهم على عملٍ لا يستطيعون حمل ثقله غصباً، لتحصيل المال كيفما اتفق.
وبعيداً عن كل ما قيل ويقال في هذه الحادثة المأساوية وعشراتٍ غيرها، فإن السبب الرئيسي فيها يعود إلى حالة الفساد التي استشرت في كل مكان حتى ضاع كل شيء، لأن المناصب والمصالح خلقت من المتكالبين على الكراسي ذئاباً بكل معنى الذئبية، وثعالب بكل ما تعنيه الكلمة أيضاً: يكذبون، يتآمرون، يخونون، بل يبيعون كلّ شيء في سبيل مصالحهم الخاصة جداً. لهذا صار الوطن نهباً لكلّ مَنْ هبّ ودب!!
يقال في الشدّة يظهر المعدن الأصيل لكل شخص، فهل هناك أكبر من شدّة الوطن المبعثر بين الناس المتكالبة والمتقاتلة والمتآمرة على المناصب والمصالح، بكلّ أشكالها وألوانها ومسمياتها؟ أين المعدن الحقيقي لهؤلاء إذاً؟!
ويقال أن الأوطان يبنيها أبناؤها. فأيّ أبناء هؤلاء الذين لم يراعوا حرمة وطنهم ولا ناسهم، فأكلوا الأخضر قبل اليابس وتركوا الناس في هرج ومرج، بلا أدنى حقوق المواطنة التي أقرّتها الشرائع السماوية والأرضيّة وكلّ دساتير الكون؟
كم من الوعود والعهود والمواثيق والتصريحات الناريّة والشعارات الطائفية أطلقوا وما زالوا يطلقون عند كل دورة انتخابية؟ لكنهم بعدها يعودون إلى خلافاتهم وصراعاتهم واتفاقاتهم، جاعلين من الوطن كرة قدم امريكية يتلاقفونها في ما بينهم، متصارعين على مَنْ سيحظى بها في النهاية، والى كعكة ميلاد يتقاسمونها حسب أهوائهم، تاركين الناس الذين خدعوهم بمعسول الكلام يضربون كفاً بكفٍ، ويعضّون على أصابعهم ندما. وهذا رغم عدم اتعاظهم من الدورة الأولى، لتتوالى الخسارات وتكثر الأزمات، حتى نصل إلى أزمة الأخلاق وهي الطامة الكبرى والمأساة التي أطاحت بكل المنظومات والقيم، فصار الناس ينهش بعضهم بعضاً وحتى الأقرب إليهم جداً، ضاربين بكل شيءٍ عرض الحائط. لهذا سيكون الضحية حتماً أولئك العاجزين الذين لا يستطيعون الدفاع حتى عن أنفسهم، كالصبي بائع الشاي وعلى شاكلته الكثيرون، لتكون المأساة ضياع الوطن قبل كل شيء!