اخر الاخبار

التطورات الأخيرة ذات الصلة بنتائج الانتخابات البرلمانية، والتحوّل الى الاحتكار والاستئثار بالسلطة من قبل اقلية متنفذة، مهيمنة على السلطتين التنفيذية والتشريعية، والمؤشرات الدالة على مظاهر سلطوية بارزة في إدارة الدولة ومؤسساتها، وما يرافق ذلك من تساؤلات مشروعة للقوى المدنية الديمقراطية بشأن آفاق المستقبل، بعد ان حُرمت من التمثيل البرلماني بفعل عوامل موضوعية وذاتية، بجانب حالة الانسداد السياسي والاحتقان الاجتماعي.. في أجواء ملتبسة ومتشابكة ومعقدة كهذه، يبرز سؤال ملح عن افق التغيير ومآلاته.

ويتوجب القول هنا ان هذه المتغيرات لم تدفع شعار التغيير وضرورته والحاجة الملحة اليه الى الوراء، بل على العكس تماما نلاحظ صيرورته مسالة وجودية، وليس مجرد شعار سياسي. فالصورة واضحة وجلية، رغم كل مساعي التشبيك والتضبيب، فاما تغيير منظم وسلمي يفتح افق الانتقال من دولة المكونات الى دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقة، او استمرار منظومة الحكم بنهجها المحاصصاتي الفاشل، بما يديم الواقع المازوم وتراكم الازمات.

وتتوجب الإشارة الى انه بحكم تعقيدات الوضع في بلدنا، وما تستغله المنظومة الحاكمة من عناصر لادامة هيمنتها وسطوتها، والتشابك بين عناصر داخلية خاصة بالشأن العراقي واخرى خارجية، فان التغيير يمكن ان يأخذ مسارات متداخلة وعملية نضالية، سياسية ومجتمعية، تراكمية، تحتاج الى صبر ونفس طويل، مع وضوح الرؤى والاهداف ومراكمة المتحقق.

ان الخلاص من هذه المنظومة ونهجها المدمر وعجزها عن حل مشاكل البلد، مستنزفةّ باستمرار شرعيتها التمثيلية والمجتمعية، له ما يبرره أخلاقيا وسياسيا ومنطقيا، وما تفرضه حاجة وطننا الآن وفي المستقبل. فهي اقلية بيدها الحكم المطلق، تقابلها اغلبية ساحقة من أبناء الشعب، تنوء تحت ثقل الازمة البنيوية الشاملة.

وهذه المنظومة متعددة القوى وعابرة للقوميات والطوائف، لكنها متعددة المصالح. انها قوى الفساد والفاسدين والمرتشين والمنتفعين، وهناك من يتداخل معها من كبار أصحاب المال والعقار والبنوك والاعلام، ومن المسلحين خارج مؤسسات الدولة الدستورية. على ان احد العناصر المهمة في إدامة هيمنتها ونفوذها، هو تماهيها مع اجندات خارجية.

واذا كان من الواجب والموضوعية الإقرار بان ميزان القوى، الذي يستند في جانب مهم منه الى السلاح والمال السياسي والدعم الخارجي والتوظيف السياسي الطائفي واستغلال مواقع "الدولة العميقة "، مختل لصالح المنظومة الحاكمة، الا ان من غير الصواب إطلاقا النظر اليه على نحو ميكانيكي جامد. ففي هذا السياق يعد الوعي والارتقاء به عنصرا هاما في معركة الرفض للواقع القائم، والانتقال الى حالة الفعل الواعي المنظم، والقادر على فرض السير على طريق التغيير. فمن دون الوعي يمكن للغضب والاستياء الشعبيين ان يتحولا الى طاقات مهدورة. وهنا نتحدث عن الوعي الجمعي، وما يختزن من قوة تغييرية وطاقة مقاومة، تتصدى للتكيف والقبول بالامر الواقع.

وهنا تأتي أهمية تنمية العامل الذاتي لقوى التغيير ورفع قدراته باستمرار، كما مطلوب بإلحاح من هذه القوى السعي المتواصل والمبادر للقيام بدور فاعل في الحركة الشعبية والاحتجاجية، والعمل الجاد على تكوين رأي عام وقوى ضاغطة ومؤثرة. ومن الضروري ان تتوفر عند هذه القوى الإرادة والقناعة بإمكانية تحقيق ذلك، بالاستناد الى وحدة الصفوف وتعزيز عناصر القوة، وهجرة القنوط والتردد واليأس.

ان القيمة الفعلية للعبر والدروس المستخلصة من التراجعات والانكسارات المؤقتة،

 تكمن في توظيفها لصالح وعي سياسي متقدم، وفعل نضالي يتخطى الموسمية، ويراكم النجاحات مهما صغرت، ضمن مشروع وطني شامل لبناء اصطفاف سياسي وشعبي، يغذّ السير نحو تحقيق إرادة الأغلبية الساحقة، المتطلعة الى التغيير.