اخر الاخبار

مازال العراق يُصنّف دوليا باعتباره من البلدان عالية المستوى في الفساد، الذي لم يعد الحديث عنه ترفا قدر ما صارذا تأثير وجودي على الدولة والمجتمع معا. فبعد  ٢٣ سنة على الخلاص من النظام السابق المقبور، لم نشهد تراجعا في الفساد ومؤشراته، بل بالعكس اخذ يتمدد ويتنوع ويزداد تعقيدا .

الكل في بلدنا نسمعه يلعن الفساد وأباه صباح مساء، لكنه يصر على معاكسة ما يُعلن ويذاع.  والأرقام التي تعلنها هيئة النزاهة لا تؤشر تراجعا ملحوظا في مستوياته، بل ربما تشي بالعكس.  فعلى سبيل المثال أشار التقرير نصف السنوي لعام ٢٠٢٥ الى صدور ٩٤٠ أمر قبض بحق متهمين بالفساد والاختلاس، شملت مديرين عامين ودرجات خاصة، فيما شمل قانون العفو العام اكثر من ٩٠٠٠ متهم بقضايا فساد، وبينها نسبة عالية ذات صلة بهدر المال العام. واللافت في تقرير هيئة النزاهة هذا  انه كشف عن مشاريع متلكئة تتجاوز قيمتها ٨٠٠ مليار دينار للفترة المؤشرة فيه (النصف الأول من عام ٢٠٢٥).

وهنا تتوجب الإشارة الى ان الفساد بجميع تجلياته أوسع من هذا بكثير، إذ لم يعد يقتصر على الرشى والكامنات، التي تمثل الجزء الطافي من قمة جبل الجليد، بل تعددت  أنواعها كثيرا ومنها :

*عدم وضع الشخص المناسب  في المكان المناسب

*هدر المال العام وانفاقه في غير محله

*إقامة مشاريع وهمية او غير  ذات جدوى، او إعادة تنفيذ مشاريع لمرات عدة، والمثال الساطع على ذلك إعادة تبليط واحياء الشوارع، وحديثا امتد هذا الى المجسرات .

* تعمد عرقلة المشاريع  الإنتاجية والخدمية العامة

*استغلال الموقع والمنصب الوظيفي في التعيين الزبائني، واسناد الوظيفة العامة من دون مراعاة لشروط الكفاءة والنزاهة، وعادةً ما يكون ذلك للمقربين والمحسوبين والاقارب وربما حتى  الدرجة العاشرة !

* التأثير  على سلامة ابرام العقود الحكومية ومضاعفة الأسعار والقيم

* تضخيم الايفادات الرسمية غير الضرورية، والتمادي في الصرف والبذخ المقرر لها

* حالات الفساد السياسي واغداق العطايا وشراء الذمم والاصوات، إضافة الى شبهات شراء المناصب والمواقع

* حالات التزوير المختلفة

* التهريب وعدم السيطرة على المنافذ الحدودية

* التلاعب بالعملة الوطنية والتفنن في تهريبها .

* الفقدان التدريجي للسيطرة الوطنية على النفط والغاز

* التلاعب بعقارات واراضي الدولة، والقضم  المنظم وغيره لها .

نعم، الفساد اشمل واوسع من حصره بقضية او اثنتين محددتين، فهو منظومة متكاملة متشابكة مع متنفذين داخل وخارج مؤسسات الدولة. وهو لم يعد مجموعة موظفين فاسدين يمكن استبدالهم، بل شبكة علاقات سياسية واقتصادية وإدارية وقانونية، تتداخل فيها السلطة مع المال والسلاح والنفوذ الاجتماعي.

الفساد بهذه السعة والتنوع تحتاج مكافحته الى مقاربات متعددة، وإرادة سياسية على مختلف المستويات، كما تتطلب قضاء قويا ومستقلا وقادرا على فتح كل ملفات الفساد، صغيرها وكبيرها ، وعلى حماية العاملين في حملات المكافحة وأجهزتها. فبهذه الروحية الاقتحامية فقط يمكن تدشين الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد للأعوام ٢٠٢٥-٢٠٣٠، والا فستبقى كسابقاتها وتقتصر إجراءاتها على ما خف وزنه من قضايا الفساد.

ويقينا ان تحقيق تقدم في هذا الملف الشائك والمعقد، والاخطبوط الذي امتد الى المجتمع، يحتاج أيضا الى نهج جديد في إدارة الدولة وبناء مؤسساتها، وهنا سيكون للمواطنين دورهم في هذا الشأن، شريطة ان تتاح لهم الفرص الحقيقية.

ان الاقدام على إجراءات ملموسة، والمصارحة والمكاشفة والشفافية، ومعرفة مالات ملفات الفساد ومصير المسؤولين عنها والمتورطين فيها، امر يحتمه تعاظم مستويات الفساد على مختلف الصعد، وتسربه الى المجتمع.