في كتابه (خطاب الهوية..سيرة فكرية) اختار علي حرب صيغة الضمير الغائب للحديث عن سيرته الفكرية، وقد بدا لي أنه لو كتبها بوصفه المدون لحياته لكان أجمل، لأنني وجدت أن الحديث بضمير الغائب أضعفها وقلل المتعة في قراءتها، على الرغم مما هو معروف عن كتابات علي حرب ومؤلفاته التي يجذبك فيها أسلوبه الأخاذ، وكأنه فيلسوف أديب، او أديب فيلسوف، ويصح عليه ما قيل عن الي حيان التوحيدي (أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء)، لكن في سيرته ظهر لنا وكأنه أكثر حذرا إذا قارنا هذه السيرة بمؤلفاته الأخرى التي كان فيها ناقدا يصول ويجول.
فهو يذكر أنه "كان حذرا بطبعه ومنذ ولدته أمه" ولكننا لم نجد هذا الحذر في مؤلفاته!
لا أعرف لماذا حاول علي حرب أن يعامل ذاته وكأنها آخر، على الرغم من أنه عنون كتابه هذا بعنوان "خطاب الهوية"!.
ما أشكل عليه في كتاب علي حرب هذا وكأنه يكتب سيرة عن آخر يعرفه او كانت له معرفة به، فبدلاً من أن يمنحنا سيرة ذاتية تكشف عن تشكل هويته وتحولاتها، جعل من ذاته مجالا للكتابة السردية يصفه بها أحداث عن شخص عرفه وراقب حياته من الخارج!.
يقول (وكم كان يتمنى لو أمكنه أن يهجر امكنته ويخلع جلده)، وكانه يعيدنا لمن كان أجرأ منه ألا وهو إيهاب حسن مفكر ما بعد الحداثة الذي كان واضحا في رفضه لماضيه وهجره للأمكنة وخلع جلده.
وعلي حرب يشاركه الانشغال في فلسفة وفكر ما بعد الحداثة.
ينزع نزوع الفلاسفة المسلمين لا سيما ابن رشد في التمييز بين عامة الناس والخاصة، ورغم انه مفكر نقدي وجدته يسلم بهذا الخطاب فيقول (زاد اقتناعه برأي الحكماء بصفات الجمهور..)، وما استغرب له أن مفكرا مثل علي حرب ما بعد حداثي نجده يميل ميلا واضحا لقبول فكرة التمييز بين الناس وكأنهم جبلوا على أن يكون منهم من يؤمن بالموعظة وآخر بالجدال وغيرهم وهم أعلى مرتبة ممن يؤمنوا بالحكمة!
مفكر ما بعد حداثي جعل من النقد ومساءلة المسلّمات منهجاً في التفكير، يتبنى تصوراً تراتبياً للمعرفة يقسم الناس إلى عامة وخاصة!.
قوله (ان الجماعة الإنسانية تأتمر بالغيب وتنزع إلى المتعالي وتهاب المقدس. وهي يستبد بها الوهم ويحركها الخيال وتعشق الرمز) ص29.
قضى عمره ينتقد الخطابات التي تدّعي امتلاك الحقيقة، لكنه هنا يكاد يقدم حكماً كلياً على طبيعة الجماعة الإنسانية، ويختزل آليات تفكيرها في الغيب والوهم والخيال.
يقول (ان طلب البرهنة في كل أمر من الأمور الاعتقادية قد تكون له مساوئه ومضاره بالنسبة لحياة الجماعة) ص30
وهو يبرر ذلك بالقول (ان استخدام العقل قد يفكك عرى الجماعات الانسانية) ص31.
إذا كان العقل يفكك عرى الجماعات، فهل وظيفة الفكر النقدي هي حماية الجماعة من العقل، أم تحرير الإنسان من أشكال التبعية التي تجعل الجماعة متماسكة؟
ما أشكل عليه في كتاب علي حرب هذا أنه كان نخبويا، رغم أنه كتب نقدا لاذعا للنخبوية في كتابه "أوهام النخبة"، حتى في اختياره لضمير الغائب كان نخبويا، وكأنه لا يريد "الاعتراف" بما ينبغي له "الاعتراف" به في حياته الاجتماعية والفكرية.