اخر الاخبار

ألّفَ البصيرُ، وهو في سياق درسه الأدبيّ،" عصر القرآن" و"في الأدب العبّاسيّ"، و"الموشح في الأندلس وفي المشرق"، و"نهضة العراقِ الأدبيّة في القرن التاسع عشر"؛ وهو فيها كلِّها يجعلُ عنايتَه منصرِفةً إلى النصِّ في تأليفه وبنائه، وما يربطه بما سبقه من نصوص؛ أي إنّه يُعنى به من حيثُ صياغته، ومن حيثُ محتواه، غيرَ غافلٍ عن سياقه في الزمان والمكان.

وقد كان من تمامِ درسه رعايةُ الشعراء الناشئين من طلبته في دارِ المعلمين العالية، وتقويمُ ما يكتبون؛ ليجعلَهم على جادةِ الشعر الواضحة؛ في استقامةِ اللغة، وصوابِ الموقف، وتكاملِ الفكر.

لا ريبَ في أنّ الراوي والبصير كانا، في درسهما، وفي ما كتبا، ناقدينِ خبيرينِ يعرفانِ مستجادَ الآثار، ويقفانِ على مواضعِ القوّةِ منها، ويُرشدانِ إليها.

ولقد كان لمنحى دارِ المعلمينِ العاليةِ هذا، في العنايةِ بالنصّ؛ قراءةً، وفهمًا، وتذوّقًا، وتمييزًا بين الجيّد والرديء؛ حميدُ الأثر في تخريجِ شعراءَ وكتّابٍ ونقّاد، وفي تهيئةِ جوٍّ أدبيّ رحيبِ الجنباتِ، ما يزال مقرونًا بدار المعلمين العالية، مُشيدًا بفضلها.

وحين يلتقي القديمُ بالجديدِ، على طبعٍ مواتٍ، يصبحُ الدرسُ الأدبيّ عميقًا شائقًا ذا فوائد جمّة؛ وقد تمّ ذلك عند عبد الرزّاق محيي الدين (1910 – 1983)، في طائفةٍ ممّن تمّ عندهم، فقد نشأ في حلَقَات المساجد، في النجف، فاستقام لسانُه وقلمُه، فلمّا انتظمِ في جامعةِ القاهرة، من بعد، وكتب: "أبوحيّان التوحيدي حياته وأدبه"، و"أدب المرتضى"، اجتمع له الزادُ القديم بالزادِ الجديد، على نحوٍ من الائتلاف والتآزر. وبهذا النهجِ القائمِ على العلمِ والذوقِ أخذَ بدراسة الأدبِ؛ فلم يقفْ إلّا عند الرفيعِ منه، ذي المعاني الساميةِ والصياغةِ المحكمة. ودرّس، ببصيرةِ الناقد، البلاغةَ واقفًا على أسرارها في صناعةِ الكلام وتذوّقِ محاسنه.

كان ممن شَهِدَ درْسَ الراويّ والبصيرِ في دارِ المعلمينِ العاليةِ؛ عليّ جواد الطاهر (1919 – 1996)، الطالبُ، يومئذٍ، في قسمِ اللغة العربيّة؛ إذ دَرَسَ عليهما، وشَهِدَ انصرافَهما إلى الأدبِ، وشدّةَ عنايتِهما به؛ وأنّ الأدبَ شأنٌ جليلٌ، جديرٌ بأن يشغَلَ المرءُ حياتَه به، وأنْ يقصُرَها عليه. وكان أنْ أخذَ عنهما أنّ النصَّ مُقدَّمٌ على ما سواه، وأنّه قِوامُ الدرسِ الأدبيّ، وأنّ ما عداه طريقٌ إليه. وقد ظلّت ذكراهما، من بعدُ، حيّةً على لسانِه، وعلى قلمِه؛ يستعيدها في مقام المثل الرفيع.

وحين أخذ يدرسُ في جامعة السوربون، بباريس، من سنة 1948 حتّى سنة 1954 تكاملتْ لديه عناصرُ الدرسِ الأدبيّ، واتّسعَ له الأفقُ. ولقد كان المنهجُ السائدُ في أروقةِ الجامعةِ يومئذٍ؛ هو منهجُ لانسون (1857 – 1934) القائمُ على التاريخِ والفنِّ معًا: "منهجُنا – يقول لانسون - هو في صميمه المنهجُ التاريخيّ... ومع هذا فثمّة فروقٌ هامّة بين المادّةِ العاديّةِ للتاريخِ بمعناه الدقيقِ ومادتِنا، وعن تلك الفروقِ تنشأ فروقٌ في المنهج. "ومؤدّى ذلك أنّ منهجَ لانسون؛ يضعُ النصَّ في سياقه من التاريخِ والجغرافية، ثمّ ينظرُ، من بعدُ، في بنائِه، وصياغتِه، وطرائقِه في الإبانةِ؛ لتتمّ له معرفةٌ صحيحةٌ واضحةٌ. وقد تشرّبَ الطاهرُ المنهجَ على أصولهِ، وشرع يستضيء به وهو يكتب أطروحته الموسومة بـ"الشعرُ العربيُّ في العراقِ وبلادِ العَجمِ في العصرِ السلجوقيّ"؛ فجاءتْ خيرَ مثالٍ على الدَّرْس الأدبيّ القائمِ على التاريخِ المُحَقّق، وعلى قوّة النقدِ المُمَيِّز بين الجيّدِ والرديء، العارفِ بأسبابِ الجودة والرداءة. وعندما عاد الطاهرُ إلى البلد، في سنة 1954، وانتظمَ يدرّس في دار المعلمين العالية كان مكتملَ الأداةِ في البحثِ الرصينِ، وفي النقد الأدبيّ. وقد كان درسُه لا يخلو من الوقوف على أثرٍ من آثارِ الأدب؛ بالتحليلِ والتفسيرِ والحكمِ. وكان، مع طلبتة، وأنا هنا شاهدُ عِيان، رائدًا يُرشِدُهم إلى المستجادِ من الشعرِ والنثر، ويستحثّ طباعَهم، إذا لَمِس فيها المواتاةَ، على الكتابةِ؛ ويصحّحُ، ويقوّم، ويسدّد الخطى. ولم يكن شأنُه مقصورًا على قاعةِ الدرس بنظامِها المقرّر؛ بل خرج بطلبته إلى أُفقٍ أوسع فأقام الجلساتِ للأدباء منهم؛ يسمعُ، ويقوّم، ويدعم؛ وسعادتُه أن يَثبتَ القلمُ بين أصابعِهم، وأن تستقيمَ العربيّةُ على ألسنتهم. وحين أنشِيء اتّحاد الأدباء، في سنة 1959، وهو في هيئته المؤسِسة، عُهِد إليه بإدارةِ أُمسياته؛ فكانت جلساتٍ من النقد الأدبيّ؛ فيها الروحُ الجامعيُّ الرصين، وحيويّةُ الأدب المتّصل بقضايا عصره.

وعنده أنّ الصحافةَ ميدانُ النقدِ الأدبيّ على الأَصالة، وأنّ ما ينشأُ في الجامعةِ من معرفةٍ، وقيمٍ رفيعةٍ، في الدرسِ والبحثِ، ينبغي أن يخرجَ إلى الصحفِ فيذاعَ فيها حتّى تَتِمَّ الرسالةُ في نشر الوعي، ورعايةِ الذوق. وهو، في ذلك، غيرُ غافلٍ عن مقتضى الجامعةِ في نظامِ الدرسِ والتأليفِ، وعن مقتضى الصحافةِ في ما يُنشر فيها؛ إذ تشترطُ الجامعةُ الريثَ والأناةَ، والرجوعَ إلى المصادرِ والمراجعِ بإحالةٍ واضحةٍ دقيقة، وتقتضي الصحافةُ التخفيفَ من التوثيقِ، وحُسْنَ العَرْض، ورشاقةَ الأُسلوب؛ ولقد كان الطاهرُ في عمله فيهما يؤدّي لكلٍّ حقَّه على تمامه جامعًا مزايا الطرفين.

ظلّ الطاهرُ، مدّةَ حياتهِ، مواظبًا على مزاولةِ النقدِ الأدبيّ؛ يزاولُه في الدرس الجامعيّ، ويزاوله على صفحاتِ الصُّحف؛ وهو في ذلك كلّهِ يجعلُ من النصِّ منطلقَه، لا يُقدّمُ عليه ما سواه؛ فإذا أخذ شيئًا من التاريخِ، أو شيئًا من حياةِ صاحبِ النصِّ؛ فبقدرِ ما يُضيءُ النصَّ، ويُزيلُ غوامضَه، ويجعلُه متماسكَ المعنى والمبنى.

انصبّت عنايتُه على الشعرِ، وعلى القصّةِ والروايةِ؛ وعُنيَ بالآثار العراقيّة خاصّة؛ آثارِ شعراء وكتّاب يعرفهم ويعرفونه، ويُريدُ لهم مزيدًا من التقدّم في مدارجِ الفنّ؛ ذلك أنّ الناقدَ، عنده، في صميم عمله؛ أن ينفعَ القارئَ؛ إذ يشرح، ويحلّل، ويُفسّر، وينفعَ المُنشِيء؛ إذ يقوّم أثرَه، ويدلُه على جوهر ما لديه، ويصل ما بينه وبين القارئ.

وقد كان من عنايتهِ بالقصّةِ، وهي عنايةٌ واسعة، أنْ ألّف: "محمود أحمد السّيّد رائد القصّة الحديثةِ في العراق"، ونشره في سنة 1969؛ وقد أقامه على ركني الدراسةِ عنده؛ التاريخ، والفنّ. وهي دراسةٌ نقديّة رائدة سلّطت ضوءًا ساطعًا على رائدِ القصّةِ الحديثةِ في العراق، وردّته إلى حيّز النظرِ والدرسِ، ومهّدت سبيلَ العنايةِ بالقصّةِ في سياقِ النِّظام الجامعيّ في العراق.  

إنّ الطاهرَ، في ما درّس وما كتب، مُلتقى رصانةِ النقدِ الأكاديميّ بحيويّةِ النقدِ الصُّحفيّ، وصفوةُ مزاياهما معًا.

تلك معالمُ النشأةِ الأولى وبعدها نشآت أُخر كلُّها جدير بالدرس والتأمّل...