يبدو للوهلة الاولى ان ما قرأناه في ادب الرحلات للقاص حسن البحار وتحديدا في (الإبحار الى كالكوتا/ رحلة البحار سيمو) قد اخذ تصنيفا عتباتيا (مناصيا) انطوى على مغامرة اجناسية في سردية الكتابة، ولعل فعل الاختلاف زاوج بين المنسوب العتباتي عبر التأطير المكتوب في الغلاف، وبين المتن السردي المطروح، ولعل الاشارة الى جهة النشر وتكريس العنوان، يذهب الى اقراره والعمل عليه، وحين كان لهذا الادب مساحة في الشعر العربي وكذلك في السرد، مثلما كتب فيه العديد من ادباء العرب، نستذكر (جبرا ابراهيم جبرا) حين كتب عن السفينة مع بعض الشخوص الذين سافروا معه بمختلف ثقافاتهم وامزجتهم، كانت بينهم مناورات طبيقة، فكلٌ يسرد حكايته، لتصبح السفنية وعاءً، وتصبح فنية الكتابة في اطارها الاجناسي رواية، لكن الامر يختلف عند (البحار) فقد انتفض انتفاضا ادائيا اختلف عن تجاربه السابقة في الكتابة، فكانت ملحمة سردية اخذت على عاتقها ما يدور في تفاصيل أُطرت بوحدات سردية اسماها بالـ(الاحداث) فكان التنوع في الائتلاف والاختلاف شكلَ الكثير من الاستراجاعات المؤطرة في اهمية الرحلة وما نتجت عنه، فالرحلة تسير عبر درامية متجولة، وهي بلا شك حصيلة جاءت عبر شبكة من التطورات المتصاعدة للأحداث ذاتها، واحيانا يشعرنا (البحار) انها تتمتع بمونتاج سردي عبر حصيلة عالية من شعرية السرد، فاستدعاء الأزمة وتكريسها دراميا كان على قدر كبير من مستوى الكتابة وحبكتها وتركيبتها ..
تمتعت الكتابة في (الإبحار الى كالكوتا) بتجريبية وافية عبرت خلالها عن اطلالة اجناسية جديدة عبر احداث دونت وقدمت باسلوب اطاح بالشكل التقليدي بمفهوم الرحلة، فكانت تدوينية الاحداث شكلت الـ(ميتا سرد) لأننا إزاء كتابة داخل رحلة، فكانت هناك (رزمة اوراق وجهاز لابتوب وحادثة غرق سفينة انكي3 واحداث وذاكرة وبرقيات وشخصية مدونة ـ كمال ـ وكتابة) فهل هي مرحلة اختبارية أم اختيارية من قبل السارد؟ اعتقد انها من مسلماته في الكشف عن اشياء يجدها حاضرة في مشروعه الكتابي، ومن حفرياته واستخلاصاته المستمرة في الرحلات وفي الكتابة عنها.
ومع وجود استدعاءات لواقع الازمة في البلد الأم للراوي العليم، لكنها شكلت مدخلا للغور في التفاصيل (لم يكن قرار ترك الوطن والسفر الى تركيا بالأمر البسيط، كان الخيار الوحيد للخلاص من القتل المباغت بالكاتم) ص36. فكانت طريقة التدوين او المذكرات اعطت الائتلاف في القضية بشكلها العام وتمرير الاحداث بتفاصيلها العامة وجزئياتها في السلوكيات للشخوص، قد اضفى نوعية الائتلاف لدى المتلقي، وكأننا بمواجهة (دراما سينمائية) بمواصفات سردية لـ(الأكشن) حيث التقطيعات والحوارات والتعرف على تقنيات الباخرة (المحركات والوقود والتوقيتات) لم نألفها سابقا في عالم السرد، وهذه التوصلات بدقائقها كشفت عن مغامرة وجدل مع وجود شخصية المحقق (كاج مايلُم) بوصفه بؤرة الحدث وكشف التفاصيل لما جاءت به (كشف الاحداث) من بدايتها وحتى نهايتها..
لعل كسر النسق الادائي للشخصية الروائية، اعطى محورية غاية الأهمية للبحار (سيمو) الناجي الوحيد من رحلة الغرق والمدون للأحداث، ما عكست وظيفته الانثروبولوجية على سلوكيات خاصة، لتأخذ التفاصيل ميدانا لأرضية متحركة في الباخرة، ولشخوص اشبع خلالها الوحدات السردية المدونة كـ(ساهر ونور ونمير وحميد) اضافة الى الفتاة (بربارا) الجميلة التي شكلت هاجسا عاطفيا بعلاقته معها، عكس (هشام) الشخصية الضدية، كلّها ابانت الفعل الدرامي في الرحلة، لكنها تبين تقربها من جنس الرواية، ولم يؤثر ذلك في الاطار العام لسردية الرحلة، فالحيوية في خلق الاحداث ووصف الاشياء المحيطة اعطى منسوبا عاليا في تسيير التفاصيل في الوحدات السردية، لكننا ندرك بين وحدة واخرى ثمّة تصنيف سردي ينبثق بينها ويكرس الاحداث عبر استرسال غير مباشر، منها ما أثار قراءتنا (سردية البحر) لنخلص الى وجود شعرية الكتابة حين يقول على لسان الراوي العليم (ايها البحر عند اهل الأرض أملٌ واحدٌ للخلاص ولا يستعملونه) ص82 و(صعدنا الى السطح، من ضوء القمر تمتعنا قليلا في لمعان البحر، انتابنا احساس غريب لكن معتاد عندما قال: البحر تَجلُّد)ص91. يمكن وصف هذه بالانعطافة، لأننا في ميدانية اجرائية لـ(أدب البحر) والاستفاضة ودربة الكتابة تنهل منها تفرعات تفرضها طبيعة الموضوع، فكانت هذه السردية التي هي جزء من الاشارة الى الوصف السيميائي للعلامات الملتقطة من الرحلة وما نتجت عنه، وما كانت عليه من تراتبيات امسك بها السارد وقدمها للمتلقي.
نقطة التحول في (الابحار الى كالكوتا) هي نقطة التحدي، او بالاحرى (قبول التحدي) تلك التي شهدت تغيير المسار الى الهند، فكانت الرحلة بمثابة موقف وجودي، وهنا تكن الّلعبة السردية التي اشتغل عليها (البحار) ما يربط في ذلك التحولات المرحلية في المواجهة الصعبة التي عاشها، ليمسك بهذه الثيمة ويدون تفاصيلها، فهي ضمن (السرد الرحلي) الذي اشار اليه (عبد الملك الثعالبي) مؤكدا انه (يرتبط برحلة فعلية او خيالية، فعل السفر فيها لازم الوجود بالفعل او القوة، وهو مشهد يصور الشخصيات الفردية او الجماعة حركة بعد حركة، وحواراتها قولا بعد آخر) وضمن هذا التصاعد نقرأ (عزمت قبول التحدي، دنوت مني، همست: تصرف) ص179. ومع مرور ايام والوصول الى (كالكوتا .. ارض الآلهة كالي) واللقاء بـ(كمال غريب) صاحب القصص، هدأت الاحداث واخذت تميل الى التفاصيل الاجتماعية والكشف عن الاجواء الطقوسية والتعبير عن مشهديات يومية في هذه الارض للأماكن والناس عامة، ولعبة اختزال الاحداث اتضحت عبر اشتراطات الكتابة واسلوب الطرح وقصدية الموضوع، حتى الوحدات الداخلية للرحلة كانت لها انعطافة دقيقة في تركيبة الرحلة ورسم تفاصيلها، فما كان على (حسن البحار) في نهاية الامر سوى الاسترخاء واقناع المتلقي ان هذه الرحلة تقرأ سردا، وبكل هدوء كتب لما بعد المحنة سردا وصفيا لأجواء المكان/الشقة، والزمان/ الفجر، مع مجازية الحدث في موت زوجته التي تتحدث معه (زوجتي تواصل الحديث معي، يبدو لم يكن في نيتها الرحيل، كنّا على وشك الاتفاق على عودتها الى الحياة) ص246. ان صخب الرحلات كان لها الاستلاب الواضح والمؤثر لدى السارد، فهو يدرك مدى حساسية الكتابة في هذا الجانب، في الوقت الذي تتعدد فيه اللغات والهويات وطبيعة المجتمعات التي يزورها، والتي تشكل عنده تراكما في الخطابات والعادات والتقاليد، ونحن إذ ندرك هذا الشيء، فليس من السهل ان يدخل في الجنس الادبي، لكن السارد البحار كان على درجة كبيرة في مشروعه السردي عبر اصداراته التي قرأناها.