اخر الاخبار

عُرضت المسرحية التاريخية، التي أطلق عليها بيسكاتور اسم (على الرغم من كل شيء)، لأول مرة في 12 حزيران 1925، للترحيب بمندوبي المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الألماني، لتكون بذلك جزءاً من حدثٍ أكبر. وقد تم عرض المسرحية في المسرح الكبير (غروسيس شاو سبيلهاوس) في برلين، الذي لم يكن معداً لعرض هذهِ المسرحية، ولكن الجهد التقني الكبير الذي بذله المخرج أروين بيسكاتور ساهم في نجاح العرض. وبسبب صعوبة الوصول إلى العمال في بيئتهم الأصل فقدَ مشروع العرض المسرحي هذا بعضًا من تأثيره. أخرج بيسكاتور المسرحية وشاركهُ في كتابة النص الكاتب الألماني غاسبارا، بينما تولى الموسيقار مايزل الإشراف الموسيقي، وصمم هارتفيلد الديكور. كان من بين المشاركين المئتين ممثلون من مسارح برلين، الى جانب أعضاء من فرق غنائية ومسرحية بروليتارية، هواة ومحترفين على حد سواء. ويؤكد بيسكاتور صراحةً، ان هذا العمل جهد جماعي العرض. وكانت الأدوار متشابكة فيما بينهم بشكلٍ لافت. ومن المؤسف لمْ تتبن أي جهة رسمية أرشفة هذا العمل الكبير. أن التسلسل غير المترابط للمشاهد في هذا العمل الكبير جعله يفتقر إلى رابط سردي حقيقي. إن الأحداث المرتبة زمنيًا في مسرحية (على الرغم من كل شيء) تُرسّخ روح التماسك الحاصل في هذا العمل. وبهذا نلاحظ أن بيسكاتور قد أبتعد كثيراً عن شكل العرض الاستعراضي. ويسلط العمل الضوء على تاريخ ثورة تشرين الثاني من أحداث عام 1914 والأحداث التي تلتها، وتُعرض مواقف الطبقات والأحزاب بالنسبة للمسار العام للتاريخ أو للمراحل الفردية في نقاط رئيسية. وهنا يتضح سبب تسمية بيسكاتور للعرض الاستعراضي بـ(التاريخي). وعلى سبيل المثال كان المشهد الأول من المسرحية يحمل عنوان (برلين تحسبًا للحرب) والمشهد الثاني (اجتماع فصيل الرايخستاك الاشتراكي الديمقراطي في 25 حزيران 1914)، والمشهد الثالث (في القصر الإمبراطوري في برلين/1 آب 1914(، والمشهد الرابع (اجتماع فصيل الرايخستاك الاشتراكي الديمقراطي في 2 آب 1914)؛ وكان المشهد الرابع هو الأول الذي يُدمج مع عرض الفيلم الذي يبين جلسة الرايخستاك. وكانت هذهِ المشاهد إلى جانب استخدام الوثائق الفيلمية، خطوة نحو المسرح الوثائقي، وهو نوع سيتبناه بيسكاتور لاحقًا كمخرج، وتحولت الى شخصيات حقيقية مثل (فريدريش إيبرت) و(فيليب شايدمان). كانت هذه الشخصيات جزءًا من راهنيه المسرح. ويُشير بيسكاتور إلى أن مصطلح (الاستعراض) لم يفقد رونقه، وذلك من خلال إشارته إلى المزيج الملون الذي يُشبه الاستعراض، والذي ضمّ (خطابات ومقالات وقصاصات صحفية ونداءات ومنشورات وصورًا وأفلام حقيقية عن الحرب والثورة، وعن شخصيات ومشاهد تاريخية). ومن الواضح أن شيئًا من طابع الاستعراض قد فُقد.

بعرض جميع العناصر الأساسية للمسرحية حقق بيسكاتور عرضاً ملحميًا كسر الشكل المُغلق للدراما، وإلى سلسلة غير مُترابطة من المشاهد (24) مشهدًا في المجموع. وكان أحد الأهداف هو تقديم القصة كاملة. وقد وظّف بيسكاتور في مسرحية (على الرغم من كل شيء)، الفيلم كأداة ملحمية أساسية في العرض. استُخدمت لقطات من محفوظات الأرشيف الإمبراطوري، تُظهر استعراضات القوات المسلحة، والتعبئة العامة، وأهوال الحرب مثل هجمات قاذفات اللهب، وحشود بشرية ممزقة، ومدن محترقة، وصورًا للثورة الروسية، ولينين وهو يلقي خطابًا، وغيرها. وتمكنت تقنية المونتاج، التي جمعت بين الأحداث المسرحية والفيلم، من الكشف عن العلاقات في لحظة خاطفة، وربط الأحداث المسرحية بالواقع السياسي. كان بيسكاتور يهدف إلى استخدام الفيلم لخلق صلة بين أحداث المسرح والقوى التاريخية العظيمة المؤثرة، كما أمكن إظهار تزامن الأحداث من خلال عرض حدث على خشبة المسرح وآخر على الشاشة ونقل العمليات وسرد الأحداث الواقعية بطريقة غير مسبوقة. واستهدفت عمليات القطع المختلفة قدرة الجمهور على الربط بين الأحداث، وأبقت بعض الغموض. لم يقتصر دور الفيلم على مرافقة أحداث المسرح وتوسيعها وتوثيقها، بل أتاح أيضًا إمكانية إعادة إنتاج أحداث كان من الصعب أو المستحيل تجسيدها على خشبة المسرح، وإمكانية عرض الحقائق التاريخية والمعاصرة بطريقة كاشفة للغاية، تكاد تكون أصيلة. ويعود ذلك إلى أن الفيلم أصبح منذ زمن بعيد شكلاً مستقلاً من أشكال السرد البصري؛ فمنذ مطلع القرن وحتى العشرينيات، أحدثت ثلاث اكتشافات تغييرًا جذريًا في صناعة السينما وهي:

1- حرية حركة الكاميرا، أي تغيير اللقطة،

2- اللقطة المقربة،

3- المونتاج، أي تركيب الصور. بهذه الابتكارات الثلاثة، اكتسبت السينما إمكانياتها التعبيرية الخاصة.

ورغم أن الهدف كان تحفيز أفكار المشاهد، إلا أن التأثير الإيحائي كان طاغيًا. ويمكن إثبات هذا التأثير المزدوج بدقة من خلال دراسة استخدام الفيلم. فبينما حقق الفيلم التأثير الموصوف، فقد صُمم أيضًا لإثارة مشاعر الجماهير، وكان الفيلم هو العنصر المُحفِّز وقد هزّ الجمهور من الأعماق. لم يقتصر العمل الإيحائي على الصور المعروضة، على سبيل المثال، تصوير أهوال الحرب، بل شمل أيضًا طريقة استخدام الفيلم. فقد أبرز الفيلم الحدث، وسد الفواصل، وحافظ على الوهم. واستند التأثير العاطفي للعمل بشكل كبير على الفواصل الإعلامية، والتوازي بين المسرح والشاشة. كان عنصر المفاجأة الناتج عن التناوب بين الفيلم والمشهد المسرحي فعالًا للغاية. ولكن الأقوى من ذلك كان التوتر الدرامي الذي ربط الفيلم والمشهد المسرحي ببعضهما البعض. فقد اشتدّا معًا وفي فترات معينة، بلغ العمل ذروة من الحركة، لم يشهد مثلها المسرح إلا نادرًا. عندما أعقب تصويت الاشتراكيين الديمقراطيين على اعتمادات الحرب (مشهد تمثيلي) عرضٌ لفيلم يُظهر هجومًا عنيفًا وأولى الضحايا، لم يُؤكد هذا فقط على الطابع السياسي للعملية، بل أحدث في الوقت نفسه صدمة إنسانية، مما أدى إلى خلق روح الفن. واتضح أن أقوى تأثير سياسي دعائي يكمن في التعبير الفني الأقوى. وسمح بيسكاتور للإدراك الفكري ورد الفعل العاطفي بالتوافق. إن إمكانية تداخل هذه العناصر لا تنعكس في تصور بيسكاتور في تسلسل العرض المسرحي فحسب، بل يبرّزُ الفكرة المتوخاة من ذلك. كان الفيلم مع العرض المسرحي بداية سلسلة من الأجهزة التقنية على مسرح بيسكاتور، وكان من الضروري دخول التكنولوجيا إلى المسرح، في الوقت الذي كان العالم يشهد فيه تزايدًا في استخدام التكنولوجيا، أكد بيسكاتور على أن التكنولوجيا بالنسبة له لم تكن غاية في حد ذاتها، بل كانت تخدم فقط لتحقيق الغرض، وهو في هذه الحالة تمثيل الواقع الاجتماعي. يُمكن ملاحظة اختلاف جوهري بين بيسكاتور وبرشت في استخدام التكنولوجيا. اتفق برتولت برشت مع بيسكاتور على ضرورة تمثيل العملية التاريخية، ولكن بينما شدد بيسكاتور على ضرورة وجود جهاز تقني ضخم، اكتفى برشت بتصوير بسيط للأحداث التاريخية الأساسية. وقد مثّل المسرح، المُجهز بكل وسائل الترفيه، تناقضًا جوهريًا بين الإنفاق المالي والجمهور المستهدف من الطبقة العاملة الفقيرة. وكان الجهد التقني الهائل في ربط المسرح العمالي بالمسرح الاحترافي، مما اضطر إلى التخلي عن الطموح في التعمق في حياة العمال. ولعرض المسرحية التاريخية استخدم بيسكاتور هيكلًا سقاليًا يُسمى (براكتيكابيل)، (الهيكل العملي). يتكون من مبنى مُدرّج ذي بنية غير منتظمة، بانحدار طفيف من جانب وسلالم ومنصات من الجانب الآخر. وقد بنى بيسكاتور مناطق اللعب الفردية على شكل مدرجات ومنافذ وممرات. وكان الهيكل السقالي مُثبتًا على منصة دوارة. إن استقلالية السقالات، التي تُشكل عالماً قائماً بذاته على منصة دوارة، تلغي تقنيات المسرح البرجوازي. كما يمكن أن تُقام في مساحة مفتوحة. أما فتحة المسرح المستطيلة، فتُصبح مجرد قيد مُشتت. وبفضل براكتيكاببل تحققت وحدة في البناء المسرحي، وانسيابية متواصلة للمسرحية، كتيار واحد جارف، كما أمكن إظهار تزامن الأحداث، وهو ما كان الفيلم قادراً عليه أيضاً؛ وقد تحدث بيسكاتور لاحقاً عن المفهوم الكلاسيكي للملحمة في تزامن الأحداث. كما يمكن أيضاً توضيح التقارب الإشكالي بين التأثيرات الإيحائية والتنويرية باستخدام براكتيكابيل كمثال. ووفقاً لرواية بيسكاتور نفسه فقد تطور المسرح المتزامن في إنتاجاته اللاحقة من براكتيكابيل. أصبحت للموسيقى وظائف مختلفة. فمن المفترض أن موسيقى الجاز التي عزفها مايزل وغيره كانت صدىً للواقع الجديد على خشبة المسرح، تمامًا كما عكست تقنيات المسرح تقنيات العالم. ومن جهة أخرى فإنهُ يمكن تفسير استخدامها على أنها موسيقى السود في المقام الأول، وهي فئة تتطلب ظروفها، كظروف البروليتاريا، تغييرًا جذريًا. وتماشيًا مع الموضوع، كان من المقرر أيضًا عزف (ألحان وطنية). وكانت مهمة الموسيقى متناقضة؛ فمن جهة كان عليها أن تقاطع الأحداث وتعلق عليها، أي أن يكون لها تأثير ملحمي، ومن جهة أخرى كان عليها أن تؤكد على الأحداث وتدفعها قدمًا. واحتاج بيسكاتور إلى أكثر من مئتي مؤدي لعرضه. وكان ينوي إظهار جماهير البروليتاريا على خشبة المسرح، تمامًا كما فعلت الجوقة الناطقة، وكما كان سيحدث على نطاق أوسع بكثير في العرض الضخم المخطط له. لكن بإحاطة نفسه بحشود من الفنانين، زاد من صعوبة وصوله إلى الجمهور. من الواضح أن مسرحية (على الرغم من كل شيء) كانت من نواحٍ عديدة، بمثابة ابتعاد عن نموذج مسرح العمال الثوري كما عُرض في مسرحيتي (المسرح البروليتاري) و(السكك الحديدية)، إلا أنها كانت خطوة نحو مشاريع بيسكاتور المستقبلية.

ــــــــــــــــــ

المصدر:

-Das revolutionäre Arbeitertheater der Weimarer Zeit- Magisterarbeit-Universität Konstanz- Oliver Bendel