اخر الاخبار

لم نستفسر او نظهر استغرابنا. كلمات معدودة فقط فتحت لي أبوابًا لم اتوقعها. " في بيت ابي سلام. الساعة الثامنة ليلًا". يبدو انني الوحيد الذي احتاج الى توضيح،  بعكس بقية الرفاق. قال احدهم: "اجلب ما تستطيع يا رفيق. نحن في بداية الشهر.". لم افهم طبيعة هذه الاستطاعة لكن الكلمة الأخيرة أوضحت بان مساعدة مادية لابد منها.

كنت الوحيد الذي تأخر وكانت محاولتي لأقناع زوجتي أحد الأسباب التي أخرتني.

- هذه الدنانير. تفضل خذها. وبالإمكان إضافة ما حصلت عليه من محاضراتك الإضافية.

- اعدكِ بان ابننا سيكون بخير. الشهر القادم سنأخذه الى الطبيب ولا بأس من تأجيل الامر. وكنت اعلم ان قناعتها بالتخلي عما جمعناه لعدة أشهر لم تكن بالحدث السهل. صغيرنا الوحيد، قد تسوء حالته الصحية ويكون الثمن غاليًا خاصة على زوجة رُزِقَت بمولود جميل بعد انتظار سنين.

تمازحني وتدعي انه يشبه أمها بعينيها الخضراوين ووجهها المستدير. وبجدية مصطنعة، أردها قائلًا ان امي هي الأجمل. تصمت لحظة وتقول: الله يرحمها، كانت سندًا لنا وانها امٌ لا يمكن نسيان فضلها.

وفي وسط باحة البيت وقفتْ بكل جمالها. بيضاء، متوسطة الحجم. تقدم نحوها "أبو سلام" وبدأ يشيد بمواصفاتها. بعشرين دينار بدأت المزايدة، سرعان ما ارتفع السعر كلما يبدع صاحبها ببيان حسناتها. مسكها بلهفة من المنتصف وسحب يده في محاولة منه لإثارة الحماس والحصول على أقصى مبلغ يمكن الاستفادة منه. بخار بارد أنعش الحاضرين. يدٌ رُفِعَت وصوت متحمس رغم هدوء نبراته: ثلاثمائة دينار. زايد أحدنا: وخمسين. جاوبه آخر: أربعمائة دينار عدًا ونقدًا. صمت مطبق. رفعت رأسي. ثلاثة أطفال يراقبون باستغراب وامرأة عجوز بدت متحمسة.

تحسست جيبي. نسيت ان لي ابنًا وحيدًا. يا إلهي!  كيف ستقضي هذه العائلة الصيف الحار. هذا صعب. رد "أبو سلام": لا. لا. هذا سهل. ما هي الا أيام وتسهل الأمور. عائلة رفيقنا الشهيد الآن بأمس الحاجة. طُرِدًت من البيت واستأجرت غرفة في أحد البيوت. زوجة وأربعة أطفال وعجوز مقعدة وكان ضابط شرطة الموانئ في منتهى القسوة. يدفع الأطفال ويصرخ: خونة. نحن في السنة السابعة للحرب ولا مكان لمن يعادي الحزب والثورة. استمرت المزايدة ووصلت لثمن لم أتوقعه. كنت مصرًا على الفوز. نظرت الى رفاقي رافعًا يدي وهمست بالسعر النهائي.

- مبارك لك. انت تستحقها؟

- استحقها؟

- أجل؟ أهكذا تربينا طيلة هذه السنين؟ لقد اشتريتُها لأهديها اليك. لابد ان تبقى في مكانها أيها المناضل الغيور.

     تراجع "أبو سلام". سكت ولم يجب، لكنه ابتسم بدمعة محبوسة، ادركتُ حينها أن نكران الذات لا يعني ألا تشعر بالألم، بل أن تختار ألم الآخرين على ألمك الخاص. عدتُ إلى بيتي بجيب فارغ، وحين دخلتُ الغرفة، كان طفلي نائمًا بأمان، وكأن ربًا لا ينسى أحدًا قد مسح على جبين الآخرين. صوتٌ رقيقٌ تآلفتُ معه زاد من اصراري وثقتي بنفسي وبرفاقي، فشعرت اننا كيان واحد لا ينفصل:

- ما نفقده في العطاء، نستعيده في اتساع أرواحنا يا زوجي الحبيب.

- سعادةٌ لا توصف والذي زادها، أن رفاقي قد أفرغوا جيوبهم ايضًا.