3/ مسرحية "صاحب الساعة":
تعد مسرحية (صاحب الساعة) نصاً درامياً غنياً بالرموز السريالية والسياسية، وهي تمثل انتقالاً من نقد السلطة والمجتمع في المسرحيتين الآنفتين، إلى نقد "الزمن" وعلاقته بالهوية والمصير البشري. فالساعة في المسرحية ليست أداة لقياس الوقت، بل هي "منظم الوجود". وسقوط البرج الذي يحملها، في المشهد الأول يرمز إلى انهيار النظم القيمية والاجتماعية الكبرى. عندما تكسرت الساعة وتوزعت عقاربها عشوائياً، فقد الإنسان هويته الخاصة؛ فصار الجميع يتقاسمون اعمارا متشابه وأحلاماً مشاعة وساعات مهجنة، وتواريخ ميلاد عامة، مما يعكس حالة التبدد المعاصر حيث يذوب الفرد في الحشد ويختفي. (رسمياً، يحمل معظم العراقيين تاريخ ميلاد واحد قررته الحكومة).
تتجلى الجمالية في مفارقة أن "صاحب الساعة" أعمى؛ فهو يمثل "البصيرة" في مقابل "البصر". هو لا يرى عقارب الساعة التي هو صاحبها؛ لكنه "يشعر" بالزمن والريح والنبض. هو السادن الذي يحفظ الأنساب والأرواح، لكنه في الوقت ذاته يعجز عن إنقاذ الناس من حماقاتهم، مثلما جرى في القبة المغلقة. صاحب الساعة يمثل "الضمير الكوني" الذي هام على وجهه بعد أن قدّم الناس "السرعة" و"المادة" على "الانسجام".
في الجهة الأخرى البعيدة يقف "القروي"، نموذج الفطرة والارتباط بالطبيعة، وهو الوحيد الذي لا يحتاج لوثيقة تثبت وجوده لأن "السماء تعرفه". هو صوت الحكمة الذي يحذر من "فساد الهواء" داخل المنظومات الاصطناعية. أما "المدني"، فهو الإنسان المعاصر "المشيّأ" (من الشيء)، الذي يبحث عن ساعة مولده ليثبت هويته أمام الجهات العسكرية من أجل الخدمة، أي أنه يبحث عن "زمن رسمي" ليُساق إلى حتفه.
وصف السماء في استهلال المسرحية (الأحمر والبرتقالي) يعطي شعوراً بـ "القيامة المستمرة" أو الغروب الأبدي. هذا التلوين الضوئي يغني عن الديكور، ويجعل الفضاء المسرحي فضاءً نفسياً بامتياز. فيما تُعد "القبة" ذروة البناء الدرامي والجمالي؛ فهي تحول من "برج الساعة" (الارتقاء) إلى "القبة" (الحشر). إنها أداة "الدولة الشمولية" أو "العولمة" التي تعد الناس بالرفاهية لكنها تسلبهم الهواء. عملية "تفريغ الهواء" (الإيفاكيويشن) في القبة هي استعارة مرعبة لتحويل البشر إلى "كتلة صماء" لا هوية لها.
يظهر رئيس البلدية كلوحة هجائية لاذعة للبيروقراطية؛ فهو يقيس الناس بمقياس "الليفل" (ميزان مسح الأراضي)، والسخرية من فكرة قياس البشر بالطول وتثبيت الطول بالحذاء أو بدونه هي إشارة إلى القوانين السطحية التي تهتم بالأرقام وتتجاهل الروح. تعريف رئيس البلدية لهدفه (خنق الناس ليتنفسوا هواء بعضهم) هو نقد سياسي حاد للأنظمة التي تعتبر "سحق الفرد" إستراتيجية وطنية لتحقيق "التراص".
تختار المسرحية لغة شاعرية في حوارات "صاحب الساعة" و"القروي" وعائلته الصغيرة، مقابل لغة تقريرية ساخرة في حوارات رئيس البلدية مع العاملين والناس. هذا التباين يخلق إيقاعاً درامياً يمنع الملل، إلى جانب مفارقات النص حيث يبحث رجل عن "وثيقة قيد الحياة" وهو واقف حي أمام مخاطبه، مما يبرز كيف أصبحت "الورقة" أهم من "الإنسان" في العصر الحديث.
سقوط الناس من القبة المفرّغة من الهواء مثل "حجارة تسقط من كيس مشقوق" صورة بصرية مرعبة تلخص ضياع القيمة الإنسانية وانسحاق الإنسان. ونصيحة القروي لصاحب الساعة في النهاية بأن "يجرب تحت الأرض" هي قمة اليأس الكوميدي؛ فإذا فشل الإنسان فوق الأرض، فربما ينجح في القبر!
مسرحية (صاحب الساعة) هي مرثية للزمان الجميل ومحاكمة للمكان الضيق. هي نص يدين التكنولوجيا (ماسك، الأقمار الصناعية) والحروب والبيروقراطية، وينتصر للريح والندى وصوت الناي الرعوي. إنها دعوة للعودة إلى "الساعة الداخلية" للإنسان بدلاً من "عقارب الساعة" التي تنهش عمره.
4/ مسرحية "الدسيسة ":
تُعد مسرحية "الدسيسة" التي صدرت طبعتها الأولى عن (دار المعقدين، البصرة، عام 2015)، الضلع الرابع والأخير في الرباعية الدرامية، وهي تمثل ذروة الاشتباك بين "المقدس" و"الدنيوي"، وبين "الأسطورة" و"الواقع المرير". إذا كانت المسرحيات السابقة قد ناقشت العبث والزمن والضياع، فإن (الدسيسة) تذهب إلى أبعد من ذلك لتسائل عن جدوى التغيير وجدوى "النجاة" كهدف.
يتكئ النص على قصة "سفينة نوح" المعروفة، لكنه يفككها جمالياً وفلسفياً. العنوان يشير إلى وجود "فخ" أو "مؤامرة" إلهية أو قدرية. الدسيسة هنا هي أن السفينة التي بُنيت بهدف الخلاص من الخطيئة، حملت في أحشائها (المجذوم) الذي يمثل الخطيئة والعلة في نظر المجتمع، وحملت (أبناء نوح) الذين سرعان ما عادوا للاقتتال حال وصولهم البر. لم تكن السفينة في المسرحية وسيلة نجاة بقدر ما كانت "سجناً خشبياً" عائماً، يضيق فيه البشر وتنفجر فيه غرائزهم (الزنى، السرقة، القتل).
يظهر نوح بصورة إنسانية ممعنة في الانكسار، وهو ليس البطل المنتصر، بل هو "ربان سفينة الحمقى". تكمن مأساته في اكتشافه أن "الطوفان" لم يطهر القلوب؛ فالماء غسل الأرض لكنه لم يغسل الأرواح. تحوله في النهاية وإصابته بالجذام (أو قبوله له كيقين) يرمز إلى توحده مع معاناة البشرية التي حاول إنقاذها.
يبرز المجذوم كونه الشخصية الأهم جمالياً في المسرحية. هو "الدسيسة" التي كانت تختبئ تحت السلم، هو (صوت الحقيقة العاري) والجانب المظلم الذي لا يمكن نكرانه في الطبيعة البشرية. هو الوحيد الذي يواجه نوح بحقيقة فشل الرحلة: "لقد عبرت بزناة مدنسين من طرف الخطيئة إلى طرفها الآخر". موته في النهاية على يد "الابن القاتل" يؤكد أن المجتمع الجديد الذي نشأ بعد الطوفان هو تكرار للمجتمع القديم، ولم يتغير على الأرض سوى "جفاف الطين".
مثل "سام" والحفيد الصراع البشري الأزلي. صدمة سام بأنهم "لم يتحركوا شبراً واحداً" وأنهم في المكان نفسه، هي صدمة فلسفية تعني أن المكان والزمان لا قيمة لهما إذا ظل الإنسان مسكوناً بالشر، وأن رحلة السفينة ومهمتها الأسطورية في إنقاذ البشر من الخطيئة ما هي إلا افتراض لم تبرهن عليه الأيام، فهم لم يتحركوا من مكانهم؛ إنها قصة الإنسان الحقيقية لا المفترضة!
تطرح المسرحية سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للمعجزة أن تطهر الإنسان؟ الإجابة في المسرحية هي "لا". القتل يقع حال جفاف الأرض (قتل ابن سام لابن أخيه). هذا يشير إلى أن الشر أصيل في النفس البشرية وليس عرضاً يزيله الطوفان.
في المشهد الأخير، عندما يسأل سام أباه: "أصابك بالجذام؟" يجيب نوح: "أصابني باليقين". هنا يرتفع المجذوم من كونه خطيئة ومرضاً جلدياً منفراً إلى كونه "معرفة" بالحقيقة الإنسانية. اليقين بأن النجاة الحقيقية ليست في الهروب بالسفن، بل في مواجهة الذات حيث يكتشف عبثية الخلاص.
اعتمد النص بشكل مكثف على المؤثرات الصوتية (نعيق البوم، صرير الأبواب، أصوات الحروب والمدافع). هذا التداخل الصوتي يربط بين "زمن الطوفان الأسطوري" و"زمن الحروب الحديثة"، مما يجعل المسرحية عابرة للزمن. وهي تنطوي على المفارقة الساخرة التي تجسدت في غناء المجذوم لأغنية سليمة مراد (قلبك صخر جلمود) وهو يهرش جسده، مما يخلق حالة من "الكوميديا السوداء" التي تميز مسرح العبث، حيث يختلط الألم بالسخرية.
تنتهي المسرحية بقرار نوح حرق السفينة. هذا الحريق هو "تطهير أخير"؛ فبما أن الماء فشل في التطهير، لعل النار تنجح. وهو إعلان فشل وحرق للأداة التي حملت "الوهم" بالنجاة. كانت وصية نوح الأخيرة: "من شاء منكم أن ينقذ حياته فعليه أن يخسرها"، وهي دعوة صوفية للتخلي عن "الأنا" والأطماع والمكان للوصول إلى "الروح الحر".
حكمة (الدسيسة) الجوهرية هي إدانة فساد الروح البشري، وأن "السفن" لا تحمينا من أنفسنا ولا تنجينا من مصائرنا التي نصنعها بأيدينا. إنها مسرحية تنتهي بسقوط الأسطورة وبداية مواجهة الإنسان لواقعه عارياً من دون معجزات، وسط لهب النار التي التهمت كل شيء لتترك الساحة "للروح الحر".
ـــــــــــــــــــــ
*فنان تشكيلي وكاتب مسرحي وباحث عراقي يقيم حالياً في النرويج.