اخر الاخبار

من خلال أربعة نصوص اعتليت خشبة المسرح  من دون إذن من أحد، ولم أكن ممثلًا ولا مخرجًا ولا كاتباً مسرحياً ولا مهندس ديكور، بل تقمصت الشخصيات الاربع معاً. وقد تقاطعت الطرق هناك، على خشبة المسرح وكأنه أوسع من الأرض! كيف يمكن الاشتغال عليه وملء مساحته؟ والأكثر أهمية ماذا خلف الكواليس؟ في تقاطع الطرق الغامض هذا، أضاءت مجموعة  مسرحياتي "أربع مسرحيات" أربعة مفاهيم فلسفية: العبث، والزمن، والتيه، وحتمية المصير، استقطبتها كلها من أزمة واحدة تلخصت في "جدوى النجاة"؛ المعنى الذي ما زال يهدد يقين الوصول إلى بر آمن. جرت الأحداث على مساحات ضيقة جداً، بل مغلقة: خنادق النمل تحت الأرض، محطة مترو أنفاق، كرة زجاجية مفرغة من الهواء، وسفينة معزولة تماماً، مما ضاعف الإحساس ب "لا نجاة".

مع أن الأفكار في المسرحيات الأربع هي أفكار وجودية أساسية، نشأت منها فلسفة الإنسان الأول وبشأنها طرح أسئلته، وما زالت لم تُستنفد طاقتها، ومع ذلك، لا إجابات جديدة هنا، ولا أسئلة ممكنة، وكأنما كل شيء قد قيل وحسم أمره! وليس من صالحنا عرض ما يقلق توازن كفتي الميزان، فما جرى في المسرحات الأربع هو تسليط الضوء على حقيقة واحدة: "جدوى النجاة". في هذا المفهوم الشائك، يكبلنا ابطل المسرحيات الأربع بحقائق قوية ومحكمة الاغلاق: إذا قلت "لا" فأنت لا تنجو، وإذا قلت "نعم" فأنت لا تنجو، وإذا لم تقل شيئاً، فأنت لا تنجو! ولا بد للميزان أن يظل متعادلًا هكذا لتدوم الحياة، فهو ليس ميزان خاص وليس من حق أحد التعرض له.

"لا نجاة، إذن لا جدوى!"؛ مع إقرارنا بهذه الحقيقة البسيطة والمفهومة، ما فتأ الناس يعيشون على المسرح منذ أن خلقوا عليه، يقدمون ما كُتب لهم، أو ما كتبوه لأنفسهم. وفي كل الأحوال، وفي نهاية الدور، سوف يخرجون من المسرح كما دخلوا، ارادتهم من خارج ارادتهم. 

1/ مسرحية "الشيصبان:"

ينتمي نص مسرحية (الشيصبان) التي كُتبت في 2018، إلى أدب الفانتازيا السياسية وجماليات السخرية المريرة، حيث تستخدم "مجتمع النمل" كقناع درامي لإسقاطات شاملة وعميقة على الطبيعة البشرية، وصراع السلطة، وتحولات الهوية.

بخلاف "كافكا" في (المسخ)؛ يستيقظ البطل ليجد نفسه حشرة رغماً عنه، نجد بطل المسرحية (الشيصبان) يسعى بإرادته الكاملة للتحول إلى ذكر نمل (شيصبان). تعكس هذه الفكرة رغبة الإنسان المتأزم في الهروب من عبء "الإنسانية" إلى نظام غريزي صارم، لكن المفارقة تكمن في أن البطل حمل معه "عاهات البشر" (الأنانية، شهوة السلطة، التزييف) إلى مجتمع النمل الفطري المنضبط، مما أدى إلى إفساده.

تطرح المسرحية فكرة "صناعة الطاغية"؛ فالشيصبان لم يصل إلى السلطة ببراعته، إنما وصل بـ "صدفة عنيفة" (قتل قائد الحرس بركلة دفاعية). ومن هنا يبدأ البناء الدرامي لتفكيك آليات السلطة، ومن أقوى ركائزها:

• التضليل، ويمثله "القوّال"، الشخصية التي تجسد الإعلام المتملق الذي يحول الجهل إلى "غموض هيبة"، والصدفة إلى "قدر تاريخي".

• المؤسسات، وتمثلها فئة الحكماء والقضاة واستسلامهم وخضوعهم للوضع الجديد، وكيفية تماهي المؤسسات التقليدية مع أي سلطة تضمن بقاءها.

الفكرة المركزية في الفصل الثاني، والتي شكلت حجر عثرة اسقطت المجتمع المتوازن بفطرته في فساد المال وما يشيعه من تعاملات واخلاق: الفكرة هي إقحام "العملة" (المال) في مجتمع كان يعيش على التكافل (المشاعية). تحويل القيم الجمالية والأخلاقية (الحب، الشرف، الفكر) إلى سلع تُباع وتُشترى هو تصد للعولمة المتوحشة التي تقتل روح الجماعة، وتبيد جذورها الثقافية... فرض العملة أعدت المجتمع لقبول فكرة بيع وتبادل كل شيء بالمال، حتى الشرف!

في الفضاء المسرحي (الديكور والسينوجرافيا)، تم اختيار ديكور ثابت يعبر عن "الضيق" و"العتمة" (الدهاليز والجحور)، وهو انعكاس لنفسية الشخصيات المتأزمة. استخدام مكعبات القش كديكور متحرك يمنح المسرح حيوية ويجعل الممثل جزءاً من عملية بناء الفضاء. وجود الساعات المتوقفة دلالة جمالية على العبثية؛ فالشعب "مولع بالزمن المتوقف"، مما يوحي بالركود الحضاري والموت السريري للمجتمع.

الشخصية الأهم "الشيصبان"، دينامو المسرحية وقطبها القوي الفعّال، الذي يربط خيوط الاحداث بيده ويتلاعب بها. هو شخصية "سيكوباتية" تعاني من انفصام، ولونه الأحمر القاني يوحي بالدموية والتميز الزائف. هو "الإنسان-الحشرة" الذي لم ينجح في أن يكون إنساناً سوياً، واختار التحول إلى ذكر نمل، ولم ينجح في الاخلاص للنمل، والانتماء عضويا لهم. ملكة النمل "المومياء" رمز للسلطة القديمة المتآكلة المحروقة التي تعيش على الأمجاد الغابرة حين كانت تعيش مع البشر، هي الوحيدة التي كشفت زيف البطل (الشيصبان) لأنها تملك "الذاكرة"، فيما كان "الصعاليك" يمثلون "الجوقة اليونانية" المعاصرة؛ هم صوت العقل النقدي الساخر، يعيشون على الهامش لكنهم الأكثر فهماً لزيف الواقع... انهم ضمير المسرحية النبيل والشجاع.

استخدمت المسرحية لغة مركبة تجمع بين الخطابة السياسية في حوارات الشيصبان والقوّال والآخرين، واللغة الشعرية النثرية في مقاطع الصعاليك التي قُرأت في السوق وكانه يذكرنا بسوق عكاظ. في الاحداث تختلط السخرية السوداء في مشهد فوضوي لموت الحكماء، وفي حوارات السوق حول العملة.

استخدام مارش "تشايكوفسكي" يضفي جواً من الفخامة الزائفة التي تتناقض مع كونهم نملاً في جحور، مما يعمق الفجوة الكوميدية-التراجيدية. كما لعبت الإضاءة دور "المخرج السينمائي" على المسرح، حيث كانت الأداة الوحيدة للانتقال بين المشاهد في ظل ديكور ثابت، مما ركز الانتباه على الصراع النفسي للأفراد.

مسرحية (الشيصبان) هي نص "إدانة" بامتياز؛ تُدين الإنسان الذي يلوث الطبيعة والمجتمع بأنانيته، وتُدين المجتمعات التي تقبل "الزيف" بدلاً من الحقيقة، إلى جانب بناء مسرحي متماسك يعتمد على الرمزية المكثفة، وينجح في تحويل جحر النمل إلى مسرح كوني يستعرض مأساة الوجود البشري. كما أنه يتجنب المباشرة الفجة، ويعتمد على "الجماليات القبح" (الملكة المحروقة والمومياء) لخلق صدمة لدى المتلقي، مما يدفعه للتفكير في واقعه السياسي والاجتماعي.

حبكة المسرحية الجوهرية هي الاستيلاء على سلطة المجتمع بإفساد مفاصلها الأساسية وتفكيكها، وتحييد من يعرقل هذا المسعى! تنطوي على الصراع الطبيعي بين جمال المشاعية الفطرية وقبح نظام رأس المال: مجتمع النمل الذي ينتمي إلى ملايين السنين من الانضباط وقوة الإرادة ووضوح الأهداف، يتحول إلى مستنقع فاسد بفعل رجل واحد غريب عن تركيبة المجتمع "نغل" كما تسميه "الملكة". 

2/ مسرحية "المحطة":

مسرحية (المحطة) نص درامي مكثف ينتمي إلى مسرح العبث (Absurd Theatre) حيث تُستخدم "محطة المترو" كاستعارة كبرى لوجود الإنسان على الأرض، ورحلته المليئة بالحركة الصاخبة؛ لكنها تفتقر إلى وصول الهدف أو الاستقرار. محطة مترو الأنفاق مكان مؤقت للعابرين كما يُفترض، غير أنها تحولت إلى فخ لا يمكن الفكاك منه، فمن يدخله لا يخرج، مع توفر نية الذهاب إلى مكان ما... هنا النيات لا تزكي الواقع!

"محطة المترو" هي البطل الصامت الثابت في المسرحية: (عربة قطار ورصيف) يرهن الجميع في فضائه ويراهن عليهم. إنها مكان عبور إلى "لا مكان"، واختيار الحركة دائرية (الخط الدائري للمترو)، يلغي مفهوم "البداية والنهاية" ويلغي الاتجاهات الأربع، ويحول الزمن إلى حلقة مفرغة. السينوجرافيا تعتمد على التضاد بين الرصيف الثابت والعربة المتحركة، وبين الضوء والعتمة، مما يعكس حالة القلق وانعدام الاستقرار النفسي للشخصيات... ثمة مصير لا يمكن البت به وتحقيقه، مصير تائه في الانفاق.

الشخصيات في المسرحية بلا أسماء، بل صفات (العجوز الأعرج، الرجل قارئ الصحيفة). هذا التجريد يحولهم من أفراد إلى رموز تمثل البشرية جمعاء؛ فـ "العجوز الأعرج" هو الفرص الضائعة والعجز أمام سرعة الحياة، وضياع كيسه وتبعثره على الرصيف هو ضياع "متاعه" أو حصيلة عمره في سبيل اللحاق بالجمع. و"قارئ الصحيفة" هو المثقف الذي يدرك "تزييف الواقع" (الكل يكذب)، لكنه رغم وعيه يظل سجين "الدائرة" غير قادر على النزول في محطته المنشودة وتقرير وضعه؛ إنه يكذب على نفسه أيضاً!

استخدام موسيقى الجاز وأغنية "Strangers in the Night" لفرانك سيناترا يضفي مسحة من الاغتراب المديني. الكلمات والموسيقى تعزز فكرة أننا جميعاً "غرباء" نلتقي للحظات في "عربة" واحدة ثم نفترق دون أثر، مما يعمق الشعور بالوحدة وسط الحشد.

الجملة/ المفتاح في المسرحية: "ليس هناك أطول من الدائرة"، فتحت المأزق الوجودي على مصراعيه؛ فالإنسان يبذل جهداً هائلاً للتحرك، ليكتشف في النهاية أنه يعود للنقطة البداية. السخرية المتكررة بعبارة "إنها الحياة يا عزيزي" وهي الجملة الوحيدة التي يتم تبادلها، تعمل كترجيع جنائزي يؤكد الاستسلام للقدر العبثي، فليس هناك ما يُقال ويختزل الحالة غير "إنها الحياة يا عزيزي"، كما لو أنها خبر صادم مرير.

في عمق الواقع المرير والملتبس يجري حوار حول "الصحيفة" وقصة "الحلاق والمرأة القرعاء" يشير إلى أن المجتمع يقوم على "التواطؤ على الكذب" لضمان استمرار الحياة. القبح (الرأس المحروق) يتم قبوله والتعايش معه، تماماً كما يتم قبول العيش في قطار لا يتوقف حيث يريد الركاب... ثمة تواطؤٌ يزدهر في مقولة: "إنها الحياة يا عزيزي".

تُظهر المسرحية كيف "تجرف" الأمواج البشرية الفرد، حيث تتلاشى الفردانية؛ فالرجل القارئ يريد النزول لكن الزخم البشري يمنعه، والعجوز يريد الركوب لكن الزحام يربكه. هنا تظهر "القوة الغاشمة للجموع" المفعمة بالأنانية والتي تسلب الفرد حريته، وتجبره على البقاء في "العربة" حتى لو لم تكن وجهته.

مسرحية (المحطة) هي قصيدة بصرية عن "اللا-وصول". نجحت في تكثيف مأساة العصر الحديث (السرعة، الزحام، الاغتراب، وتبديد الجهد) في مشهد واحد طويل. النهاية المفتوحة بعودة الرجل إلى مقعده الأول حيث ظهر أول مرة، تحت سطوة "الموجة البشرية"، تعلن انتصار العبث على الإرادة الفردية، وتترك المشاهد في تساؤل مرير حول محطته الخاصة... حيث الانتظار هو الفعل الحقيقي الوحيد والحركة هي محض وهم.