اخر الاخبار

باريس -  د. محمد سيف

لم يعد السؤال في المسرح المعاصر يسأل: ما الذي يقوله النص؟ بل كيف يُنتج العرض معناه؟ فمنذ النصف الثاني من القرن العشرين بدأت العلاقة التقليدية بين النص والخشبة تتغير بصورة جذرية، فلم يعد النص المسرحي يحتفظ بموقعه بوصفه المصدر الوحيد للعرض، بل أصبح عنصراً من بين عناصر أخرى تدخل في بناء الحدث المسرحي. هكذا ظهرت أشكال جديدة من الكتابة، لا تُنجز على الورق قبل العرض، وإنما تتشكل فوق الخشبة نفسها، عبر الجسد والصورة والصوت والفضاء والتقنيات الحديثة.

ضمن هذا التحول تبرز تجربة المخرج الإيطالي روميو كاستلوتشي بوصفها واحدة من أكثر التجارب المسرحية المعاصرة إثارة للجدل. فهو لا ينطلق من نص مكتمل ليحوّله إلى عرض، بل يجعل الخشبة مكاناً للبحث والاكتشاف، حيث تتولد الكتابة أثناء العمل، وحيث يصبح الممثل والعنصر البصري والصوت والمكان شركاء في إنتاج المعنى.

تنتمي هذه الممارسة إلى ما يعرف بـ"الكتابة المسرحية"، وهي كتابة ورثت الكثير من أفكار مسرح ما بعد الدراما، حيث لم يعد النص مركز العملية المسرحية، بل أصبح جزءاً من شبكة واسعة من العناصر المتفاعلة. فالخشبة عند كاستلوتشي لا تقدم تفسيراً لنص سابق، وإنما تخلق لغتها الخاصة، لغة تقوم على الصورة والإحساس والصدمة الجمالية. من هنا يمكن فهم اهتمامه بما هو غير مرئي، ومحاولته تحويله إلى حدث محسوس. فالمسرح بالنسبة إليه لا ينبغي أن يكتفي بتمثيل الواقع أو إعادة إنتاجه، بل عليه أن يخلق واقعاً جديداً داخل الفضاء المسرحي. وهذا ما جعله قريباً من تصورات أنتونان آرتو، الذي دعا إلى مسرح يتجاوز سلطة الأدب ويخاطب المتفرج في عمق حواسه.

كتب آرتو في كتابه "المسرح وقرينه":" سنلغي خشبة المسرح، ونستبدلها بمكان واحد، بلا حواجز من أي نوع، يصبح مسرح الأحداث، ونعيد الاتصال المباشر بين المتفرج والعرض، والممثل والمتفرج". لم تكن دعوة آرتو مجرد تغيير في شكل القاعة المسرحية، بل كانت دعوة إلى إعادة بناء العلاقة بين العرض والمتلقي، وإلى جعل المسرح تجربة حسية مباشرة. وهذا ما نجده في أعمال كاستلوتشي؛ إذ لا يطلب من المتفرج أن يتبع حكاية محددة أو أن يبحث عن معنى جاهز، بل يضعه أمام صور ومواقف مفتوحة على التأويل. فالمعنى لا يأتي من العرض وحده، وإنما يتشكل من العلاقة بين ما يحدث على الخشبة وما يختزنه المشاهد من ذاكرة وتجربة وحساسية.

ولهذا يقول كاستلوتشي: "ليست لدي قصة تستحق أن تُروى، والمعنى يجب أن يعطيه كل مشاهد من المشاهدين، من خلال ما يشعر به أثناء العرض". هذه العبارة تلخص جانباً أساسياً من مشروعه: الانتقال من مسرح يقدّم إجابات إلى مسرح يبتكر أسئلة.

• من النص إلى الصورة

إن مسرح ما بعد الدراما لا يعني نهاية الدراما، بل إعادة توزيع وظائفها. فالصراع لم يعد بالضرورة قائماً بين شخصيات تحمل تاريخاً نفسياً واضحاً، والحبكة لم تعد العنصر الذي يقود العرض. بدلاً من ذلك تظهر أنظمة أخرى تقوم على الإيقاع، والصورة، والحركة، والصوت، والفضاء. في هذا السياق، تصبح الصورة عنصراً درامياً مستقلاً. فهي لا تشرح فكرة سابقة، ولا تعمل كزينة بصرية، بل تحمل طاقتها الخاصة. قد تكون غامضة، لكنها ليست فارغة؛ وقد تكون مفتوحة، لكنها لا تخلو من الكثافة.

يعتمد كاستلوتشي على هذه الإمكانية تحديداً: أن تكون الصورة قادرة على إنتاج إحساس قبل أن تنتج معنى. فالمتفرج لا يواجه خطاباً جاهزاً، بل يواجه تجربة حسية تشتغل داخله بعد انتهاء العرض. وهنا يلتقي مشروعه مع أفكار بيتر بروك في كتابه "الفضاء الخالي"، حيث يرى أن المسرح قادر على خلق عالم كامل داخل أي فضاء، وأن جوهره لا يكمن في محاكاة الواقع، بل في القدرة على تحويل المكان الفارغ إلى مساحة للخيال والحضور. لذلك يحتل المكان موقعاً مركزياً في أعمال كاستلوتشي. فالفضاء ليس خلفية للأحداث، ولا مجرد ديكور، بل هو جزء من الكتابة نفسها. العمارة، والمواد المستخدمة، وحجم المكان، وطريقة توزيع الضوء، كلها عناصر تدخل في تكوين العرض.

وعندما قدّم كاستلوتشي إحدى مراحل عمله في مسرح الأوديون الفرنسي بباريس، اكتشف أن أرضية المسرح مصنوعة من الإسمنت لا من الخشب. هذا التفصيل المعماري البسيط تحوّل إلى مصدر إلهام لمشهد بقي من أكثر لحظات تجربته رسوخاً: سيارة مملوءة بالماء معلقة فوق الخشبة بأحزمة يمكن أن تنقطع في أي لحظة. لم تكن أهمية المشهد في سقوط السيارة فعلاً، بل في احتمال سقوطها. لقد أصبح الخطر غير المرئي جزءاً من العرض، وتحول انتظار الحدث إلى حدث بحد ذاته. هنا يظهر جوهر المسرح عند كاستلوتشي: ليس في ما يحدث فقط، بل في التوتر الذي يخلقه احتمال حدوثه. إنها لحظة مسرحية تقوم على القلق والانتظار، وهي ربما إحدى الوظائف الأساسية للمسرح المعاصر: زعزعة يقين المتفرج وإعادة فتح حواسه أمام ما لا يمكن توقعه.

من خلال هذه الرؤية، لا يعود المخرج مجرد منظم لعناصر العرض، بل يصبح كاتباً للفضاء. فالكتابة المسرحية لم تعد مرتبطة بالكلمات وحدها، وإنما أصبحت تمتد إلى كل ما يمكن أن يحدث فوق الخشبة. ولهذا يقترب مسرح كاستلوتشي من الفنون البصرية والسينما وفنون الأداء. فهو يستعير من هذه المجالات أدواتها، لكنه لا يفقد خصوصية المسرح القائمة على الحضور المباشر. فالصورة المسرحية، مهما اقتربت من السينما، تظل مختلفة لأنها تحدث أمام جمهور موجود في المكان نفسه.

وهذا الحضور المباشر هو ما يمنح عروضه قوتها. فالمتفرج لا يشاهد صورة مسجلة، بل يعيش لحظة قابلة للتغير، يشعر فيها بأن كل شيء يمكن أن يحدث في أي وقت. من هنا تصبح الكتابة الركحية أكثر من مجرد طريقة لصناعة العرض؛ إنها تصور جديد للمسرح نفسه، حيث لا يكون النص بداية العملية ونهايتها، بل احتمالاً من احتمالات كثيرة داخل فضاء مفتوح على الاكتشاف.

•  حين تعود المأساة بلا جوقة

يمثل مشروع "Tragedia Endogonidia" أحد أكثر الأعمال التي تكشف جوهر البحث المسرحي لدى روميو كاستلوتشي. فهذا المشروع لا يمكن التعامل معه بوصفه عرضاً واحداً مغلقاً، بل بوصفه كائناً مسرحياً في حالة تحول دائم. أنجز كاستلوتشي هذا العمل خلال ثلاث سنوات، بين عامي 2002 و2004، عبر إحدى عشرة محطة أوروبية، حيث حملت كل حلقة اسم المدينة التي احتضنتها، مشكلة بذلك مساراً متحركاً يتغير مع المكان والزمن والجمهور. من خلال هذا المشروع يعيد كاستلوتشي التفكير في مفهوم التراجيديا نفسها. فالعنوان يجمع بين مفهومين متناقضين: "التراجيديا" بما تحمله من معنى الموت والنهاية، و"إندوغونيديا" التي تشير إلى التكاثر والاستمرار والتجدد. ومن هذا التوتر بين الفناء والبقاء ينطلق العرض ليقترح مأساة جديدة، لا تقوم على إعادة تمثيل أسطورة قديمة، بل على مواجهة الإنسان المعاصر مع مصيره، ومع هشاشته، ومع عالم فقد كثيراً من يقينياته. لا يقدم العرض قصة يمكن تلخيصها، ولا شخصيات تحمل مساراً درامياً تقليدياً. فالحلقات الإحدى عشرة لا تعتمد على الحبكة أو التطور النفسي للشخصيات، وإنما تقوم على سلسلة من الصور والمواقف والرموز التي تتجاور وتتصادم. إنها دراما تتشكل من خلال الحركة والتحول، وليس من خلال السرد. وهنا تكمن إحدى أهم أفكار كاستلوتشي: أن المسرح ليس بالضرورة المكان الذي تُروى فيه الحكايات، بل المكان الذي تظهر فيه الأحداث بوصفها تجارب حسية وفكرية. فالصورة لا تحتاج دائماً إلى شرح، لأنها تمتلك قدرتها الخاصة على التأثير.

حين يستعيد كاستلوتشي شكل التراجيديا اليونانية، فإنه يستعيده من أجل تفكيكه. ففي المسرح الإغريقي كانت الجوقة تقوم بدور أساسي في تفسير الأحداث والتعليق عليها وربط الفرد بالجماعة. أما في "Tragedia Endogonidia" فتغيب الجوقة تماماً، ويجد المتفرج نفسه وحيداً أمام الصور. هذا الغياب ليس نقصاً، بل اختيار جمالي وفكري. فبدلاً من أن تقدم الجوقة معنى جاهزاً، يُترك المتلقي أمام مسؤولية التأويل. لا أحد يخبره ماذا يرى أو كيف يفهم ما يحدث. إن العرض لا يغلق المعنى، بل يفتحه.

ولهذا فإن تجربة المشاهدة عند كاستلوتشي لا تقوم على استقبال رسالة محددة، وإنما على الدخول في مواجهة مع الصور. قد يشعر المتفرج بالقلق أو الدهشة أو الارتباك، لكن هذه المشاعر نفسها تصبح جزءاً من الكتابة المسرحية.

• مسرح الذاكرة والقلق

في الحلقة الباريسية من المشروع، وهي الحلقة السادسة ضمن السلسلة، تتجسد هذه الرؤية بأقصى درجاتها. يبدأ العرض في ظلام شبه كامل. هناك طفل، وغرفة معتمة، وأم تهمس في أذنه بحكاية تبدو في الوقت نفسه جميلة ومخيفة. وفي الخلفية تهب رياح قوية، كأنها تعلن عن كارثة لا نراها، لكنها تقترب.

هذا المشهد الأول يضع المتفرج مباشرة أمام منطق العرض: انتظار شيء لا يظهر. فالمسرح هنا لا يقوم على الحدث فقط، بل على الإحساس باحتماله. بعد ذلك تتتابع الصور بقوة بصرية كثيفة: حصان أبيض يدخل الخشبة بصمت، أقمشة حمراء تغطي سريراً، رجل عارٍ يركع أمام الحيوان، رجال يرتدون السواد يقتحمون المكان كما لو خرجوا من فيلم قديم. تبدو هذه الصور منفصلة عن بعضها، لكنها تلتقي في عمق واحد: الإحساس بعالم مضطرب فقد مركزه. لا يحاول كاستلوتشي أن يجعل هذه الصور رموزاً قابلة للفك المباشر، بل يتركها تعمل داخل خيال المتفرج. إنها لا تقول معنى واحداً، وإنما تفتح سلسلة من الاحتمالات.

• تفكيك اللغة وولادة الصوت

من العناصر الأساسية في مسرح كاستلوتشي أيضاً التعامل المختلف مع اللغة. فالكلمات لا تختفي، لكنها تفقد وظيفتها التقليدية. لا تعود وسيلة لنقل المعلومات أو شرح الأحداث، بل تتحول إلى مادة صوتية. الجملة تتجزأ، والصوت ينفصل عن المعنى المباشر، ويتحول إلى إيقاع أو همس أو صرخة أو ضجيج. وفي هذا التفكيك لا تموت اللغة، بل تولد من جديد في شكل آخر. الشخصيات في هذا العالم ليست أبطالاً بالمعنى التقليدي، بل أجساد تحمل آثار التعب والجرح والذاكرة. أجساد تتحرك داخل فضاء يبدو وكأنه خرج من كارثة غير محددة، حيث فقد الكلام قدرته على تفسير الواقع. وهنا يصبح الجسد نفسه لغة. الحركة، والانحناء، والسقوط، والصمت، كلها أشكال من الكتابة المسرحية.

لا يقدم روميو كاستلوتشي الواقع على الخشبة، بل يعيد بناءه. فالمسرح عنده لا يعمل بوصفه مرآة للعالم، وإنما بوصفه مكاناً لإعادة اختراعه. لهذا تتداخل في أعماله إحالات كثيرة إلى تاريخ الفن، والرسم، والسينما، والصورة الدينية، من دون أن تتحول إلى مجرد استعاذات. فهو يأخذ من هذه المرجعيات طاقتها البصرية، ثم يعيد وضعها داخل سياق جديد. بعض مشاهده تبدو كما لو أنها لوحات حية، وبعضها يستدعي لغة السينما، خصوصاً سينما الأبيض والأسود، لكن كل هذه العناصر تعود في النهاية إلى خصوصية المسرح: حضور الإنسان أمام الإنسان.

تكشف تجربة كاستلوتشي أن المسرح المعاصر لم يعد قابلاً للحصر داخل حدود الفنون التقليدية. فالعرض أصبح فضاء تلتقي فيه الصورة والموسيقى والسينما والتكنولوجيا وفنون الأداء. لكن هذا الانفتاح لا يعني فقدان المسرح لهويته، بل ربما يعني العكس تماماً: استعادة قدرته على التجدد. فالمسرح، منذ بداياته، كان فناً مركباً يجمع الصوت والحركة والجسد والفضاء، وما يفعله كاستلوتشي هو إعادة اكتشاف هذه الطبيعة المركبة. إن مشروعه لا يعلن نهاية النص، بل يضعه في موقع جديد. فالنص لم يعد سيد العرض، وإنما أحد عناصره الممكنة. أما الكتابة الحقيقية فتحدث في اللحظة التي يلتقي فيها كل شيء: الجسد، والصورة، والصوت، والمكان، والمتفرج.

تكمن أهمية روميو كاستلوتشي في أنه لم يبحث عن شكل جديد للمسرح فقط، بل أعاد طرح السؤال الأساسي: ما الذي يجعل المسرح مسرحاً؟ إجابته لا تأتي في صورة نظرية مكتوبة، بل في عروض تضع المتفرج أمام تجربة لا يمكن اختزالها. إنه مسرح لا يطلب الفهم قبل الإحساس، ولا يفرض معنى قبل أن يترك مساحة لاكتشافه. ومن خلال الكتابة المباشرة على الخشبة، يثبت كاستلوتشي أن المسرح قادر على أن يكتب نفسه بوسائل متعددة، وأن الصورة يمكن أن تكون نصاً، والجسد يمكن أن يكون لغة، والفضاء يمكن أن يصبح ذاكرة. إنه مسرح لا يعيد إنتاج العالم، بل يعيد خلقه، ويترك المتفرج أمام السؤال الأكثر جوهرية: هل نحن نشاهد عرضاً مسرحياً، أم أننا نشهد لحظة ولادة المسرح من جديد؟