اخر الاخبار

لم تُطمس ذكراه في صدرها، ولم تخبُ نيران حبه من قلبها بعد رحيله، وإن دقَّ بابها ألف خاطب. لا تصدق أن كل تلك السنوات مرت منذ فارقها زوجها "رفاعي". تغتصب شفتيها ابتسامة هزيلة، تلصقها عليهما في إهمال، لتعود سريعاً إلى شرودها.

صغيرةٌ تعلقت بصاحبها الذي يكبرها ببضعة أعوام؛ كبرت وكبرت معها أحلامها. لم يكن لقاؤهما الأول لطيفاً، بل كان من جنس ما ينشغل به الصغار من أبناء الريف من تشاكس وعراك، لكنه كان الأقرب إلى قلبها. سحرتها ابتسامة الإشفاق التي لا تزال معلقة فوق شفتيه كلما رآها، تخايلها ذكرى الأمس؛ كيف انتفض في غضبه يدفع عنها الأيدي التي تكاثرت عليها. يومها برز من قلب الحقل وعيناه تلمعان بشرر مخيف، واستطاع بضراوة حَمِيَّتِهِ أن يحميها، لينفتح من بعدها على قلبها مجرى الحب العذب، فاستسلمت طوعاً بكل أعصابها لهذه الرغبة التي اقتحمتها. كانت "سامية" من صنف البنات اللاتي يتمتعن بجمال قروي هادئ وبسيط، لكنه ينبض بالحياة ويفور بالجاذبية، فتنشغل به القلوب سريعاً. لم يصبر طويلاً، إذ انجذب إليها بقدر انجذابها إليه، وكأنه كان في حاجة لأن يروي عواطفه ويعيد لروحه هذا الانتعاش. جعل كلما رآها تسري رعدة في عروقه، وتشتد زفرات أنفاسه، ويرتفع في صدره صراخ حاد يكاد يقضي عليه. يرفع عينيه المكدودتين، يرد تحيتها بصوت هامس لا يُسمع، تكتنفه الحيرة في كل مرة يلقاها، ويسأل نفسه في استغراب عن مغزى هذا الارتباك، وعن النظرات الذائبة التي تملأها اللهفة. تلك النيران التي تشب وتتأجج، ليستقبلها استقبال المؤمن الواثق. خيالها المتأرجح يثير أحلامه، والاشتياق يدفعه لأن يهيم مجنوناً وسط الحقول، مع تلك الرعدة العنيفة الزاحفة إلى قلبه، ولمعة الفرح التي تكسو وجهه.

أما هي، فحتى وإن تلبستها تلك الحالة من الهيام، إلا أنها آثرت أن تصبر عليه، وإن كلفها الأمر فوق احتمالها من اللوعة والاشتياق؛ فهي تعرف عن أبناء هذه الطبقة المترفة أنهم تبع لأهوائهم، فإذا تملكوا ما تمنوه زهدوا فيه، خاصة وهو الوارث الوحيد لثروة واسعة من الأملاك، وحياته ما هي إلا ضحكة كبيرة يطلقها دون حسيب أو رقيب.

في كل يوم يشعر وكأن قطعة من عقله حائرة. اقترب منها أكثر، لكنه كان اقتراباً فاتراً، يغشاه الصمت والاستسلام لتلك الرعشة التي تتسرب على وجنتيه تحت ابتسام مريض. تنظر إليه بعينين مرتبكتين، سرعان ما تعود لحزمها وبين شفتيها عبوس.

إلى جوار شجرة السنط العتيقة، وعلى جرف النيل، تقضي سحابة نهارها. تحول المكانان لمهبط وحيها، تحتضن ثيابه، وتغيب في نوبة ذهول، تلقي إلى المياه بحديثها وكأنها تريد أن تتخلص من عبئها؛ تضحك مرة وتبكي مرات. في هذا المكان غطس "رفاعي" لآخر مرة، ابتلعه النهر، وغيبه في تلافيفه كحصاة ضئيلة.

يومها احتشد الرجال ليشهدوا السباق، اختلج قلبه بالفرحة وتراقصت في صدره كعصفور وهو يشاهدها تقف مبهوتة تتعثر في ابتسامتها. شعرت ولأول مرة بيد تعتصر قلبها بقسوة، لم يكن بالشخص الهين الذي يلقى حتفه بهذه السهولة، فلطالما سبق أنداده، وكاسر أمواج النهر الهائج. يؤكد "سيد المزين" أن قلبه قد توقف، ويقسم "صابر البقال" برأس أمه أن جنية البحر اختطفته وسحبته إلى بطن الماء. تهز كتفيها استخفافاً غير مصدقة، تنظر إلى الماء بعينين متوسلتين قبل أن يختنق صوتها بالبكاء.

تقدمت السنين رتيبة وهي على حالتها، لكن الغائب لم يرجع. ملّ الناس حكايتها شيئاً فشيئاً، وانصرفوا عن جنونها، وأُهملت مع مَن أُهمل، أما هي فلم تتنازل يوماً عن أمانيها، ولم تسكن أحاسيسها في أن يرقّ البحر لحالها، وأن يهبها الحبيب ثانية.

مؤخراً تغيرت أحوالها؛ عادت أبخرة الخيال تزورها بقوة وتملأ رأسها، علت توسلاتها، وانتابتها حالة الغضب وهي آخذة تلعن وتسب، وتنطلق من صدرها عواطف مهزومة حتى فقدت وعيها.

أسبوع مرَّ ولم تظهر، اختفى شبحها من الطرقات، لم يحفل بها أحد، حتى ملابس صاحبها الملقاة تحت الشنطة عبثت بها الريح وتناثرت. على استحياء تناقل الناس ما جرى، واستقرت أقوالهم على أنها ألقت بنفسها في النهر. لم تبقَ غير الشنطة، وذكرى مطمورة تنبشها المجالس.