اخر الاخبار

حق المؤلف العراقي في النصوص القانونية النافذة يعد حقاً مصاناً ومحصناً، إذ نص قانون حماية حق المؤلف رقم (3) لسنة 1971 المعدل أورد نصوص تمنح المؤلف لمؤلف وحده الحق في تقرير نشر مصنفه ونسبته إليه ومنع أي تعديل أو تحوير فيه والانتفاع المالي منه عبر الطبع أو الإذاعة أو الترخيص للغير، وعلى وفق نص المادة (1) من قانون حق المؤلف التي جاء فيها (١ – يتمتع بحماية هذا القانون مؤلفو المصنفات الاصيلة في الآداب والفنون والعلوم ايا كان نوع هذه المصنفات او طريقة التعبير عنها او اهميتها والغرض من تصنيفها .٢ – يعتبر مؤلفها الشخص الذي نشر المصنف منسوبا اليه سواء كان ذلك بذكر اسمه على المصنف او باية طريقة اخرى الا اذا قام الدليل على عكس ذلك ويسري هذا الحكم على الاسم المستعار بشرط الا يقوم ادنى شك في حقيقة شخصية المؤلف) فضلاً عن ذلك فان القانون اعتبر مدة الحماية للمصنف تمتد إلى خمسين سنة بعد وفاة المؤلف، وأي اعتداء على هذه الحقوق يعد جريمة يعاقب عليها القانون وعلى وفق ما ورد في المادة (45) من قانون حق المؤلف وهي عقوبات مالية فقط قيمتها لا تتناسب مع حجم السرقة للمصنف،

غير أن هذه الضمانات سرعان ما تتبخر عند أول احتكاك بالواقع العملي، فالمؤلف العراقي يعيش يومياً مأساة السطو على جهده الفكري من دون أن يجد سنداً حقيقياً يحميه، إذ تنتشر ظاهرة النسخ العشوائي وإعادة الطبع غير المشروع وتداول الكتب والأبحاث عبر الإنترنت من دون إذن أو إشارة إلى صاحبها، والمؤلف الذي أفنى سنوات في البحث والكتابة يجد عمله مسلوباً ومنشوراً بأسماء أخرى أو متداولاً في الأسواق بلا مقابل، بينما المحاكم كثيراً ما ترفض دعاوى المؤلفين بحجة عدم كفاية الأدلة أو الاكتفاء بتعويض رمزي لا يردع المعتدي. وقد أصدرت محكمة البداءة في بغداد في أكثر من مناسبة قرارات تقضي برد دعاوى المؤلفين لعدم ثبوت واقعة الاعتداء بشكل يقيني، ومنها ما جاء في قرار محكمة التمييز الاتحادية العدد 12194/الهيئة المدنية/2025 في 28/12/2025 وهو ما يعكس قصوراً في الحماية القضائية وضعفاً في التخصص القانوني بمجال الملكية الفكرية، إذ أن النصوص الحالية لم تراع التطور التكنولوجي ولم تتضمن أعمال القرصنة الرقمية أو الاختراق عبر الإنترنت، مما يترك المؤلف أمام فجوة صارخة بين التشريع والتطبيق، فالعقوبات المنصوص عليها لا تطبق، والأجهزة الرقابية تكاد تكون غائبة، والمجتمع يفتقر إلى وعي قانوني وثقافي يحترم حقوق المؤلف، ومع توسع النشر الإلكتروني أصبحت سرقة المصنفات اكثر سهولة وتداولها بضغطة زر دون رادع أو مساءلة، وهكذا تبقى شعلة وجذوة الإبداع مهددة بالانطفاء.

اما عن عقد النشر الذي يُفترض به أن يكون أداة لحماية المؤلف وضمان حقوقه، والذي يقوم على ثلاثة أركان أساسية هي ا(لرضا والمحل والسبب)، فالرضا يتمثل في اتفاق المؤلف والناشر على نشر المصنف بشروط محددة، والمحل هو المصنف ذاته الذي يُنشر سواء كان كتاباً أو بحثاً أو أي عمل أدبي أو فني، أما السبب فهو الغاية المشروعة المتمثلة في تمكين الجمهور من الاطلاع على المصنف مقابل حصول المؤلف على حقوقه المالية والمعنوية،

وقد جاء في الماد\ة (38) من قانون حق المؤلف بأن عقد النشر يجب أن يكون مكتوباً وأن يحدد مدة النشر وعدد النسخ وأجر المؤلف وطريقة توزيع المصنف، كما ألزم الناشر بأن يلتزم بالشروط المتفق عليها وألا يجري أي تعديل أو حذف أو إضافة دون موافقة المؤلف، وعلى وفق النص الاتي (للمؤلف ان ينقل الى الغير حقوق الانتفاع المنصوص عليها في هذا القانون الا ان نقل احد الحقوق لا يترتب عليه اعطاء الحق في مباشرة حق اخر ويشترط لصحة التصرف ان يكون مكتوبا وان يحدد فيه صراحة وبالتفصيل كل حق يكون محلا للتصرف مع بيان مداه والغرض منه ومدة الاستغلال ومكانه وعلى المؤلف ان يمتنع عن اي عمل من شانه تعطيل استعمال الحق المتصرف به)

غير أن الواقع العملي يكشف أن هذه الأركان كثيراً ما تُخرق، فالناشر قد يطبع نسخاً إضافية دون علم المؤلف أو يمتنع عن دفع الأجر المتفق عليه أو يغير في شكل المصنف ومضمونه بما يخل بحقوق المؤلف، وقد أصدر القضاء العراقي قرارات عدة تؤكد أن إخلال الناشر بالتزاماته يعد خرقاً لعقد النشر ويشكل اعتداء على حق المؤلف،

إلا أن هذه الأحكام غالباً ما تقتصر على التعويض المالي المحدود ولا تحقق الردع الكافي، فضلا عن ذلك فأن بعض الناشرين يستغلون ضعف المؤلف في التفاوض فيفرضون شروطاً مجحفة مثل الاستحواذ على حقوق الطبع لمدد طويلة أو حرمان المؤلف من إعادة نشر مصنفه لدى ناشر آخر، وهو ما يتعارض مع جوهر عقد النشر الذي يفترض أن يكون تعاوناً متكافئاً بين الطرفين.

لذلك فان النصوص القانونية التي وضعت لضمان حقوق المؤلف تصطدم بواقع عملي يتيح للناشر والمعتدي التوسع في سلطاتهم على حساب المؤلف، مما يستدعي مراجعة تشريعية وقضائية جادة لتقوية حماية المؤلف وضمان التوازن العقدي بينه وبين الناشر، فالإبداع لا يمكن أن يزدهر إذا ظل المؤلف أسيراً لعقود شكلية تُخرق في التطبيق وتُفرغ من مضمونها، وإن حماية حق المؤلف ليست ترفاً قانونياً بل هي أساس لبناء مجتمع يحترم الفكر ويشجع الإبداع،

والمطلوب اليوم وجود إرادة تشريعية وتنفيذية جادة لتحديث التشريعات بما يتناسب وتحديات العصر الرقمي، كما يتطلب جهود لنشر الوعي المجتمعي بأهمية احترام حقوق المؤلف ودعم المبدعين عبر مؤسسات الدولة والنقابات المهنية، فالمؤلف العراقي لا يطلب سوى أن يُحترم جهده وأن يُصان نتاجه الفكري، وإذا بقي القانون حبراً على ورق فإننا سنخسر الإبداع ونفتح الباب واسعاً أمام الفوضى الفكرية والسطو الثقافي.

ــــــــــــــــــ

*قاضٍ متقاعد