كثيرون هم الذين كتبوا عن الحزب الشيوعي العراقي وتأريخه، وعن نضالات الشيوعيين العراقيين ومعاناتهم سواء على أيدي الحكومات الديكتاتورية أو في الحركة الأنصارية التي خاضوا غمارها بالإختيار أو لأنها كانت الملاذ للخلاص من بطش النظام المقبور وأجهزته الأمنية آنذاك، لكنّ الذي جاء به د. محمد الكحط مختلف كثيراً عن كلّ الذي قرأته في هذا المضمار، لأنّ المؤلف اعتمد إسلوباً جديداً أوّلاً، ومادّةً جديدةً لم يتناولها الذين كتبوا في هذا الموضوع من قبله، حيث يطلّ عليناً حكّاءً مرّة وراوياً أو سارداً، كما أن الوقائع المسجلة فيه تتنقل بين الحكايات اليومية المسجلة والسرد الذي يكافح من أجل الارتقاء الى مصاف الروي، وإضفاء صفة الرواية على الكتاب.
ان كل الذين كتبوا عن الحركة الأنصارية ويومياتها، والمعاناة التي كابدوا شظفها كانوا يتحدثون حول المواقف البطولية للحزب ومناضليه والملاحم التي سجلوها في سنيّ النضال ضد النظام الديكتاتوري وتحرير أرض كوردستان من براثنه. إلاّ أن الذي امتاز به كتاب د. محمد الكحط عن كل ما كتب في سفر النضال هذا، هو أنه لم يتحدث عن معاناته ورفاقه كشيوعيين مناضلين على أرض الوطن، إنّما ذهب الى ملاحقة يومياتهم كأنصار غادروا البلاد يحدوهم الأمل في أن يحدوا ملاذاً يأويهم بعد أن حُلّت حركة الأنصار وفتحت أبواب الشتات والتغرّب لإحتضان المناضلين الباحثين عن المأوى والأرض التي تلمّهم ليواصلوا نضالهم من أجل تحقيق الحلم الذي خامرهم كما كل الشيوعيين والوطنيين الأحرار في الخلاص من البعث وسلطاته القمعية.
ومن خلال سردياته التي فقدت هويتها بين الحكايات واليوميات والميل الى التسجيل الإنطباعي أحياناً يأخذنا المؤلف الى عالم التعاطف مع هؤلاء المناضلين بتجرّدِ. فالإندماج مع هذه اليوميات والتمعن في أنواع المكابدات التي تمثلت بفقدان الحرية أولاً، وبالجوع ومحاولات الإختباء عن السلطات الأمنية والعساكر ونقاط التفتيش في البلدان التي وطأت أقدامهم أراضيها. ثم التعايش مع نماذج بشرية تختلف كلياً في مستوياتها الثقافية وفي تفكيرها وأساليب تعاملها مع الآخرين عمّا تربوا عليه في أروقة الحزب وما تعلموه في حياتهم النضالية. كما أن لتسجيله المؤرخ لتلكم اليوميات وللمصادفات التي لا تخطر على البال سواءً من قبله أو رفاقه، والمتمثلة في الاعتقالات التي مرّوا بها في ايران أو باكستان وفي أفغانستان، والمداهمات التي تعرضوا لها من قبل تجار المخدرات ظنّاً منهم في أنّهم من صنفهم لكي يعرضوا عليهم ما بحوزتهم من الأصناف المخدّرة من حبوب أو غيرها.
كل هذا كان لتسجيل د. محمد إبداعاً فيه، لكنّ الذي تسبب في تشتيت هذا الإبداع وضياعه كثير، يتمثّل في عدّة مواطن أهمها: الاخطاء الطباعية وتكرار بعض الفقرات.
ختاماً لا يفوتني أن أشدّ على يد المؤلف وأبارك له إبداعه هذا، وامتلاكه لهذه الذاكرة التي لم تترك شاردةً ولا واردة من دون تسجيل رغم هول المأساة التي كان يقاومها ورفاقه الذين معه.