قدم العرض المسرحي (صباح يوم ماطر بالتفاهات) في (مهرجان المسرح البابلي في دورته السابعة منتصف شهر نيسان 2026) مجموعة من العلامات الحاضرة في واقعنا المعاش، والتي اخذت على عاتقها طبيعة الاشياء المحاطة بالمواقف والشواهد والمشاهد والنوايا، وكل ما يدور فيها من مفارقات سلوكية واجتماعية في راهننا المعاصر، وليس غريبا على الفنانَيْنِ (د.احمد محمد عبد الامير و د.علي رضا) وهما يقدمان هذه التجربة عبر ثنائية (اخراجية وتأليفية) تكررت كثيرا في اعمال سابقة، فهما تجربة مسرحية ممتدة لعقود، بل هما عُمْلَةٌ ابداعية واحدة، ما يميز تجربتهما، انهما دائما ما يخرجان بإسلوب تجريبي مغاير، عبر تشبع ابعاد المسرح في (السينوغرافيا) و(المضمون) و(الاضاءة) و(الموسيقى) اضافة الى جانب الاداء عبر تركيبة كيميائية بينهما.
انطوى العرض منذ بدايته على (جمع المأساة مع الملهاة) عبر اداء كاريكتيري واضح، عن طريق فرش حيز المكان/ الطريق/ الشارع ونصب علامة المرور بانتظار مرور شخصية المسؤول (الغائب) ليبدأ الصراع عبر فضول الطرفين وعبر فضفضات منولوجية تعبر عن التفاهة (اعني مضمون التفاهة في الحوار المُعَد في النص) فكان الانتظار وجدل الحوارية الثنائية مجرد وهمٌ كبير وقعا فيه، مع استنهاض مهارة الاداء بمستوى كبير، واعطاء فحوى النص الكثير من الدلالات الوافية في ذلك، وكان فضاء المكان مشاع فيه قول ما تريد، لأنه باختصار شديد مفتوح وغير محدود الرؤية، وانطلاقا من مقولة (هابر مارس) بأنَّ (الفضاء العام هو ملك للسلطة) فإن غواية الآخر في التوصل الى السلطة اعطى احقية اللعب بالمكان والأخذ بعلاماته، وهذا ما قاما به بشكل دقيق، وصولاً الى معنى قوامه ان الطريق مشاع للجميع، وإنَّ الافعال بدلالاتها وانضباطاتها او عدم ذلك تظهر على السطح الغايات المرسومة عليه، وهذا ما حصل بين الطرفين.
ما افرزه العرض هو بروز قيمة (الهامش) وما يحمله من (تفاهة) بل ما جاء به من سيولة كوميدية حين يقول الطرف الاول (أنا سأقابل المسؤول) يرد عليه الثاني (بل أنا من سيقابله.. لأني أجمل منك) فالحلمية الغائبة والملهاة الحاضرة، كان المسوغ الملموس للمأساة، ولعل السجال بين الاثنين اعطى فحوى اخلاقي أكثر منه مفاهيمي، فكان الاداء بطريقة (الغروتسك/ أي المضحك المبكي) حسب: د.محمد ابو خضير، لتصبح القضية اكثر وضوحا، حتى حين تمطر السماء، ويمتلىء المكان/ الشارع ماءً الى حَدّ انهما يفوجان فيه، ثمَّ قيام (علي رضا) بفتح اطار البالوعة لتصريف المياه، فهذا دليل محنة للضدية الثنائية القائمة بين الطبقة المهمشة والسلطة، وان هذه التمنيات لا توجد الا عند الطبقة الهامشية، لتصدر عبر خطابها كل الاشياء التي لا قيمة لها ولا قرار لها سوى التمني والثرثرة، فهي اذن تُظهر قيمة الهامش وما تتوصل اليه من انساق مضمرة، هي من التقاطات ما بعد الحداثة حين يكون للهامش قيمة ومعنى تداولي.
اللافت في هذا العرض، دخول الجسد كجزء من اللعب بين الطرفين، لتفعيل المهارة الادائية لكل واحد منهما، او للتعبير عن الطاقة المتوالية مع وحدة الموضوع وفاعليته، وهنا نستذكر مقولة نيتشه: ان (طاقة الانسان بوصفه كائناً فاعلاً لا تتسق طبيعته مع القيود والقوالب) فكان تكنيك الجسد مناظر لوحدة الموضوع، لتكون هناك تراص متتال في وحدة العمل ككل، ولتعبر طاقة الجسد عن معنى الاشياء الهامشية، فاذا كان(الشارع../ وعلامات المرور../ والمركبات../ والناس) هم من لامسوا الواقع باحساس عالي، فهذا ما يبرر كل ما تتصف به الثيمات ذات الطابع التافه بـ (القيمة) فنحن ازاء قضية رأي عام، لأن المضمون بوصفه النموذج السوسيولوجي الذي يحاول الغور والوصول الى مركزية السوسيو سياسي، قد اتضح عبر موضوعية حساسة تمحورت بـ(التفاهة) ولكنها مكرسة في واقعنا، وهذا ما جعل العمل المسرحي يأخذ حيزا كبيرا لدى المتلقي وتفاعل معه..
وحسب رأي بعض النقاد الذين شاهدوا العرض، فقد كان هناك اتفاق على ان هذا العمل المسرحي يحتاج الى مفاهيمية خاصة بفلسفته، يضاف الى ما طرح من موضوعية هادفة اخذت على عاتقها شحنات خاصة بالمكان وما جاء به من انفتاح واسع في فضاءاته، بخاصة اذا ما استدركنا جليا ان الفنان احمد محمد عبد الامير والفنان علي رضا، هما استاذان في قسم المسرح في كلية الفنون/ جامعة بابل، بمعنى مسألة الوصول الى العمق الجمالي/ المفاهيمي فلسفيا أمرٌ طبيعي جدا..