اخر الاخبار

صدور كتاب (في الشعر الجاهلي) عام 1926؛ يعد انعطافة كبيرة في المسرى التنويري العربي وامتدادا لنتاجات جيل الرواد (رفاعة الطهطاوي، جمال الدين الافغاني، محمد عبدة، عبد الرحمن الكواكبي، فرج انطوان، شبلي شميل وسواهم). جاء طه حسين معبأ بثقله المعرفي الذي خطه مذ دخوله الازهر مرورا بجامعة السوربون ولسانه الذي يتقن الفرنسية واللاتينية وهويتأبط الكوجيتو الديكارتي الذي اوصله إلى نتائج بحثية لافتة، الا ان الساخطين وظفوا النتائج تلك وجعلوها مادة تضمنتها بلاغات ثلاثة قدمت للنائب العام حينئذ تتهم طه حسين بـ(الطعن بصريح القرآن الكريم) وتطلب اتخاذ الاجراءات القانونية بحقه لأزدراء الدين الاسلامي.

تلقى النائب العام محمد نور البلاغات تلك ووجدها تتفق في توجيه التهم الى د. طه حسين وقد حددت التهم بمواضيع اربعة هي: الاولى - تكذيبه القرأن في اخباره عن ابراهيم واسماعيل المستند على الخلاف بين لغتي عدنان وقحطان. الثانية - انكار انزال القراءات السبع وهذا خلاف لما اجمع عليه المسلمون وفي كلامه عنها يزعم عدم انزالها من عند الله. الثالثة تتعلق بالطعن في نسب النبي لكونه ليس من صفوة العرب وغياب الدليل الذي اوصله الى الاستنتاج هذا. الامر الذي يعد تحقيرا للنبي الكريم وينال من قدره وجرم عظيم يسيء للمسلمين بكافة طوائفهم.الرابعة والاخيرة تضمنت انكاره ان للاسلام أولية في بلاد العرب او انه دين ابراهيم او العرب قديما رغم ان المسلمين ارادوا ان يثبتوا ان للاسلام اولية في بلاد العرب قبل ان البعثة النبوية والعرب خلاصة الدين الاسلامي وصفوته.

هذا الكتاب - رغم الغصة والمرارة التي تلقاها طه حسين - الا انه ارسى ملامح عهد تنويري بادواته البحثية الحديثة اذ كان مخاضا معرفيا افرز قامات ثقافية يشار لها بالبنان منهم : زكي نجيب محمود وعبد الرحمن بدوي وحسن حنفي ونصر حامد ابو زيد ونجيب محفوظ ويحيى حقي وصنع الله ابراهيم وامل دنقل وصلاح عبد الصبور وخليل عبد الكريم ومحمد عابد الجابري وعبدالله العروي ومحمد اركون والطاهر حداد وهشام جعيط والطيب تزيني وصادق جلال العظم وجورج طرابيشي وادونيس ومحمود محمد طه وعلي الوردي وبدر شاكر السياب وعلي جواد الطاهر وسواهم من القامات الكبيرة التي اغنت المكتبة العربية بآثارهما الفكرية المشهودة. هذا المنجز التنويري الذي امتد على مساحة قرن من الزمان حريّ بالاحتفاء به لبيان ما له وما عليه بغية رسم التصور المطلوب لما يجب عمله بعدئذ.

اذا كان كتاب "في الشعر الجاهلي" قد احدث الانعطافة الفكرية تلك المنتجة لجيل من المفكرين بمناهجهم العلمية الحديثة فان الجانب القضائي للنائب العام (محمد نور) جاء بحكم قضائي لا يقل اهمية عن منجز طه حسين. هذا المنجز القضائي المبكر واللافت عجزت المحاكم الجزائية على امتداد العالم العربي وعلى مدار قرن كامل من الوصول اليه. النائب (محمد نور) وجد ان المواضيع الاربعة موضع البلاغات تدخل ضمن مفهوم ازدراء الاديان وان النظام القانوني السائد حينئذ يجرم الافعال من هذا القبيل ويعدها جريمة في حالة ثبوت اركانها المستندة لحكم المادة (139) من قانون العقوبات الأهلي المصري التي تنص على: (يعاقب كل تعد يقع بأحدى طرق العلانية على الأديان التي تؤدي شعائرها علنا..). اذ وجد النائب العام ان الركن المادي للجريمة الذي يطلبه القانون متحقق وهو صدور كتاب (في الشعر الجاهلي) ونتائجه، فضلا عن تحقق الركن الشرعي اي النص القانوني الذي يجرم الفعل وهو لا جريمة ولا عقاب الا بنص قانوني فنص المادة 139 متحقق. يبقى التحقق من ثبوت الركن المعنوي وهو القصد الجنائي اي ان على النائب العام ان يتحقق من ان قصد الباحث بكتابه هذا منصرف لآزدراء الدين الاسلامي. واثناء مطالعة الاوراق التحقيقية تشكلت لديه اسئلة عدة هي: هل الباحث بكتابه هذا يقصد تحقير الدين الاسلامي؟ هل تتوفر لديه النية الآثمة للنيل من الاسلام ونبيه؟ هل انصرفت ارادته لتكذيب بعض النصوص المؤسسة؟. بعد التدقيق والتحري واجراء التحقيق اللازم فقد تبيّن للنائب العام ان نية الباحث انصرفت اصلا للوصول الى استنتاجات بحثية حصرا على وفق المنهج الديكارتي اي ان هاجسه اولا واخيرا هو البحث العلمي ولم يثبت لديه وجود النية الآثمة والقصد السيء الذي يدعيه الساخطون وهكذا تولدت القناعة لديه وهذا يعني تخلف الركن المعنوي فلا مساغ قانوني للحديث عن جريمة فقرر حفظ الاوراق اداريا. هذا الوعي القضائي المبكر نضعه في مواجهة الشكاوى الكيدية الحالية النازعة نحو تكميم الافواه، وهذه المقارنة مع شيوع تقييد حرية التعبير مدعاة للاحتفاء. خطاب موجه الى وزارة الثقافة والاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق.