لا أحدَ يملك القدرةَ على ترسيمِ حدود القصيدة، ولا الكشف الكاملِ عن حمولاتها، فالقصيدة جُرمٌ كبير ينشق عن السياق، فيتمرد على السديم، يكشف عن ضوئه، وعن غموضه، وعلى نحوٍ يمنحه طاقةَ الكشفِ عن عالم موازٍ، حيث عالم اللغة الذي هو عالم أكثر سعةٍ للأجرام.
هكذا هي عتبة النظر الى الشعر، والى لعبة الشاعر الفائقة، حيث الانغمار باحساسٍ متعالٍ بالتجاوز والتمرد، وبشغف اكتشاف العالم عن طريق اللغة، وخرقها للمألوف، ولما تمنح القارىء من شهرة التعرّف على الوجود، عبر ما تصنعه الاستعارات والمجازات والكنايات والاقنعة، فتلك المشاغل لا تعني هروبا من الواقع، بل انفلاتا واعيا منه، أو تجميلا له، أو مواجهة سرية لما يمور فيه من شرور يصنعها الاستبداد والعنف..
تعرفنا على كثير من اسرار الزمن الثقافي عبر قصائد المتنبي، وعلى كثير من ازمة الذات الصاخبة عبر قصائد المعري، وعرفنا شراهة اللغة وهي تضج بالتحدي عبر قصائد الجواهري، وعلى كثير من الاحتجاج والألم والبوح والحلم عبر قصائد مظفر النواب، حتى بتُّنا نعيش مع الشعرِ شكًّا وجوديا، حيث لا تملك اللغة سوى أن تصطخب بهذا الشك اللذيذ، حيث هوس الاسئلة والحرية، وحيث الرغبة بالتمرد، وحيث التلذذ بنكهة الاكتشاف، وبالاتجاه الذي يجعل من الكتابة وكأنها دعوة للتعرّف، وللانفتاح على تحولاتٍ من الصعب ادراك اسرارها خارج الشعر، وخارج ما تصنعه القصيدة وهي تُخلخل النمط، وتقوّض هيبته، لتمنح القارىء فرصة التشهي بأنوثة اللغة، وربما الاندهاش بها.
تاريخ الشعر ليس هو تاريخ الشعراء فقط، بل هو تاريخ التحولات الكبرى في اللغة، فمنذ أن تعرّف العالم على ملحمة كلكامش وهي مكتوبة شعرا، حتى ادرك المعنيون بأن في الشعر سرا، وأن طاقته يمكن ان تدفع به الى اسطرة الوجود، حيث يكون الشعر هو الخيار الجمالي في زحزحة الثابت، واعادة فحص اليقين، وتبيين ما اندس فيه من غرائب عالم البلاغة، أو من اسفار التقاليد الموروثة..
نقرأ الشعر لنقرأ معه البيانات الشعرية، فهي مساحات ضافية لتأشير التحولات والمفارقات، ولمعرفة ما يربط القطيعة الشعرية بالقطيعة المعرفية، وعلى النحو الذي يُعطي للمؤرخ والناقد سانحة حقيقية لمراجعة تاريخ الأفكار، فحين تعرفنا على السريالية والدادئية، وعلى الرومانيتكية فإننا ادركناها بأهمية التحول الذي احدثه الشعر، حتى بدا لنا وكأنه تيار سحري مسّ جسد المعرفة واللون والطبيعة، حتى تغيّر معه زمن التلقي، والاحساس بأن للغة زمنا خاصا، وأن الشعر هو وجهٌ آخر للحرية، حيث تُبيح شعرية الازاحة، والتفجّر، مثلما تمنح اللغة قوة عميقة لمواجهة النسيان..
ان خصوصية الشعر لا تعني فقط هذا الضجيج، وهذه المفارقات، فبقدر ما تحمل من رغبة في اعادة توصيف الجمال، وسط تاريخ طويل من القبح، فإنها تتحول الى صدمة، والى استنفار للوعي، والخروج من محاكاة الاشياء الى اكتشافها، والى اعطاء النضال الانساني طعما خاصا، حيث يتحول النشيد والأغنية والهتاف الى طقسٍ شعري، تنشد الجموع ايقاعاته وكأنها تتشاطر في صناعة الحياة، والاحتفال بها، والعبور الى أفق آخر، هو أفقٌ احتفائي في رمزيته، وفي قوته، وحتى في تمثيل لحظته الانسانية، وفي اثراء ما تحمله النفس من رغبات، ومن دينامية تتوق الى الاشراق، والى السمو، والى الاتساع بالوعي، حيث تتقوض الغرابة، فيجد القارىء/ المتلقي/ المسكون بالنشيد ذاته وسط احتمالات مفتوحة، على ما هو حسي، وما هو انساني، وما هو جمالي، فضلا عما هو متصل بالحياة، حيث القصيدة/ الملحمة التي تدوّن البطولة، وحيث القصيدة/ الشهادة التي تدوّن اسفار الانسان في بطولته، وفي دفاعه عن وجوده، وعن حريته، أو في أن يكون الشاعر شاهدا معرفيا، أو صانعا للوثائق، أو رائيا، تلك التي جعلت كلكامش يحمل شعار " هو الذي رأى كل شيء"
هذه الرؤية الواصفة للشاعر، هي العنوان الأكثر فصاحة في تمثيل ابداع الانسان للأثر، وفي ربط هذا الأثر/ العمل/ الشعر بالخلود، والشاعر بالزمن، لأن اللغة هي الانسان ذاته، فهي سيرته ووجوده ومكوثه كما قال هيدغر، مثلما هي هويته كما يقول علماء السسيولوجيا...