حين يفقد الفن وظيفته التمثيلية المباشرة، يبدأ بالتحول من إعادة إنتاج العالم إلى إعادة مساءلته.
وهذه النقلة هي التي منحت التشكيل المعاصر شرعيته الجمالية الجديدة؛ إذ لم يعد العمل التشكيلي يقاس بمدى مطابقته أو محاكاته للمرئي، إنما بقدرته على تفكيك الأنظمة الإدراكية التي تجعل المرئي ممكنًا أصلًا. ومن هنا أصبحت اللوحة بنية معرفيّة تنتج واقعها الخاص، وتعيد كتابة العلاقة بين الجسد والوعي، بين الشكل والمعنى، وبين الحضور وما يتخفى خلفه من غياب.
ضمن هذا الأفق التأويلي تتحرك تجربة الفنان حسين نجم، إذ تتجاوز اللوحة حدود التعبير البصري لتصبح خطابًا تفكيكيًا عن الذات الحديثة وهي تواجه انهيار مركزها الداخلي، لذا نقف هنا أمام بنية قلق وجودي تمارس اشتغالها عبر الاقتصاد العلاماتي، والإزاحة البصرية، وتشظي الكينونة الإنسانية داخل فضاء تتراجع فيه يقينيات المعنى.
فمنذ اللحظة الأولى يواجه المتلقي مفارقة تشكيلية حادة: جسد يحتل مركز اللوحة بحركة انسيابية واسعة، ورأس منزاح إلى الهامش السفلي، منفصل عن الجسد ومستقر فوق كتلة هندسية مغلقة، غير أن هذه المفارقة لا تبنى على هيئة صدمة سوريالية أو تمرينًا تجريديًا، وانما هي استراتيجية تفكيكية تهدف إلى زعزعة مفهوم " المركز" نفسه، وتنبع كثافة هذه المفارقة من حمولتها الفلسفية العميقة إذ يظل الرأس داخل الإرث الفلسفي الغربي، ليمثل موضع السيادة الإدراكية والعقلانية. انه مركز المعنى ومصدر النظام والمرجع الذي يمنح الجسد شرعيته الوظيفية لكن الفنان هنا يعيد تقويض هذه المركزية بوساطة تفكيك العلاقة العضوية بين الرأس والجسد، إذ يتحول الرأس من مركز يقود الكيان إلى أثر معزول فاقد لسلطته القديمة
هنا الرأس لا يبدو مقطوعًا بقدر ما يبدو مستبعدًا. وهذه النقطة بحد ذاتها تكشف عمق الوعي الجمالي للعمل؛ فالفنان يشتغل على العنف الفلسفي الكامن في الإقصاء الهادئ لا على العنف البصري إنه لا يدمر العقل، فهو يجرده من مركزيته، ويضعه في حالة مراقبة عقيمة، ليصبح الوعي شاهدًا على العالم لا فاعلًا فيه.
ولهذا يكتسب الرأس كثافته الدلالية من عزله، فهو موضوع داخل بنية هندسية شبه مغلقة، وكأن العقل نفسه تحوّل إلى منطقة احتجاز معرفي فيما يتمدد الجسد داخل فضاء اللوحة بحرية ظاهرية حيث يبقى الرأس ساكنًا، متخشبًا، أقرب إلى بقايا مركزٍ انهارت سلطته الرمزية.
غير أن المفارقة الأكثر تعقيدًا تكمن في أن الجسد على الرغم من فقدانه الرأس لا يبدو عاجزًا، فهو يبدو أكثر قدرة على الحضور والحركة. وهنا يكمن الاشتغال التفكيكي الحقيقي للعمل؛ إذ لا يمنح الفنان الجسد سلطة بديلة عن العقل، فهو يكشف هشاشة الثنائية نفسها، الجسد يتحرك، نعم، لكنه يتحرك بلا يقين. إنه لا يرقص تعبيرًا عن الحرية، إذ يدور بوصفه كائنًا فقد مركزه ويحاول أن يؤجل سقوطه في الفراغ.
ومن هنا تتحول الحركة الدائرية للفستان إلى واحدة من أكثر العلامات كثافة داخل التكوين. فالدائرية هنا لا تحمل دلالة الاحتفال أو الانسجام، إنما هي دلالة التكرار القلق، وكأن الجسد عالق داخل مدار وجودي مغلق لا يستطيع الخروج منه. إنه دوران أقرب إلى الطقس الصوفي من جهة، لكنه طقس فقد وعده بالخلاص من جهة أخرى.
ففي التجربة الصوفية، يقود الدوران إلى الفناء في المطلق، أما هنا فإن الدوران لا يقود إلا إلى مزيد من التشظي. ولذلك يبدو الجسد وكأنه يتحرك داخل فراغه الخاص، لا داخل العالم. إنه جسد يبحث عن توازنه بعد أن فقد الرأس سلطته، لكنه لا يعثر إلا على المزيد من التيه.
فضلا عن أن الفنان تعامل مع الجسد لا ككتلة تشريحية، فقد أوحى كونه أثرًا ضوئيًا هشًّا. فالخطوط البيضاء التي تحدد الأطراف والثوب لا تمنح الشكل كثافة مادية، بقدر ما تفرغه من امتلائه الواقعي، ليصبح أقرب إلى شبح بصري يتآكل تدريجيًا داخل الفضاء البنفسجي. ومن هنا فإن الجسد لا يمنحنا حضوره إنما احتمال حضور، أو بقايا كينونة لم تعد قادرة على تثبيت ذاتها داخل العالم.
أما اللون البنفسجي فهو ليس اختيارًا لونيًا بقدر ما هو بنية نفسية وفلسفية. إنه اللون الذي يقف في المنطقة الفاصلة بين العتمة والاشتعال، بين الروحي والجسدي، بين الحلم والانطفاء؛ ولهذا يهيمن البنفسجي على اللوحة بوصفه مناخًا شعوريًا لا خلفية بصري.
وفي الحقيقة إن هذا الامتداد البنفسجي لا يحتضن العناصر بقدر ما يعزلها داخل صمتها الداخلي، فهو يخلق فضاء معلقًا، منزوع اليقين، تبدو فيه الكائنات وكأنها تتحرك داخل ذاكرة معتمة أو حلم يتبدد ببطء. وحتى التدرجات اللونية لا تعمل بوصفها انتقالات جمالية، بل بوصفها اهتزازات نفسية تكشف هشاشة الكائن وعدم استقراره.
وفي مقابل هذا الامتداد المعتم، تظهر الخطوط البيضاء كمقاومة هشة ضد الذوبان. فهي تترك لنا الإحساس بأن الشكل على وشك الاختفاء. أما اللمسات الصفراء، فتبدو كشظايا إدراك أخيرة، أو بقايا وعي تتسرب وسط العتمة البنفسجية، وكأن الفنان يريد أن يقول إن العقل لم يمت تمامًا، لكنه فقد قدرته على تنظيم العالم.
ويبلغ العمل ذروته الجمالية في اشتغاله على الفراغ. فالفراغ هنا ليس حيزًا خاليًا، إذ يتجلى كعنصر دلالي يمارس ضغطه الصامت على التكوين. إنه فراغ منتج للمعنى، لأنه يكشف هشاشة العناصر أكثر مما تكشفها الخطوط نفسها؛ ولهذا فإن المسافة بين الرأس والجسد تقرأ كفجوة وجودية تفصل الإنسان عن مركزه الإدراكي.
ونخلص إلى أن الفنان قد اشتغل وفق مبدأ " اقتصاد العلامة" فلجأ إلى تقنين العناصر إلى الحد الذي أصبحت فيه كل علامة حاملة لفائض تأويلي هائل، فلا شيء داخل اللوحة مجاني أو زخرفي؛ كل خط يؤدي وظيفة فلسفية بقدر ما يؤدي وظيفة بصرية. ومن هنا يتحول الاختزال من تقنية تشكيلية إلى موقف معرفي يرى أن الحقيقة تدرك بوساطة التشظي، وهكذا يتحول الاختزال نفسه إلى آلية لإرجاء المعنى لا لتثبيته، إذ تصبح العلامة أكثر اتساعًا كلما ازدادت اقتضابًا؛ ولهذا فإنّ اللوحة لا تمنح معناها دفعة واحدة، فهي تؤجله باستمرار، وترفض أن تستهلك بصريًا بسرعة؛ لأنها تقوم على استدامة السؤال لا على الإبهار الشكلي، فالمتلقي حين يواجه اللوحة يدخل في تجربة تأويلية يصبح فيها شريكًا في إنتاج المعنى وعند هذه النقطة تحديدًا ينفتح العمل على أفقه الفلسفي الأعمق،.
إنها لوحة لا تقدم الجسد كموضوع جمالي، ولا الرأس بوصفه عضوًا تشريحيًا، إنها تقدم الإنسان المعاصر بهيئة كائن فقد انسجامه الداخلي؛ ولهذا فإن الرأس المعزول ليس رأس امرأة في ظاهر الأمر إنما هو رأس الوعي الحديث نفسه؛ وعي يراقب العالم من هامشه بعد أن فقد يقينه القديم.
وهكذا تتحول اللوحة عند حسين نجم إلى خطاب بصري عن انشطار الذات المعاصرة، وعن انهيار المراكز الكبرى التي كانت تمنح الإنسان شعور التماسك. إنها لا ترسم امرأة تدور داخل فضاء بنفسجي، إنما ترسم الكائن الحديث وهو يدور داخل فراغه الوجودي، باحثًا عبثًا عن مركز لم يعد ممكنًا استعادته..