لم يكن الأدب المقاوم الفلسطيني بمعزل عن التحولات الكبرى التي أصابت الأدب العربي الحديث، بل جاء امتدادًا حيّـًا لتلك التحولات وأكثرها التصاقاً بالوجع الإنساني والقومي. فمنذ النكبة الفلسطينية عام 1948، ثم هزيمة حزيران 1967، وجد المثقف العربي نفسه أمام انهيارٍ عميق في الوعي الجمعي، وأمام أسئلة كبرى تتعلق بالهوية والحرية والمصير، فكان الأدب، شعرًا وسردًا ومسرحًا، من أكثر الحقول الثقافية قدرة على التقاط هذه التحولات والتعبير عنها.
ولذلك لم يكن الأدب المقاوم مجرد خطاب سياسي أو شعاراتي مباشر، بل تحوّل مع الزمن إلى رؤية فنية وجمالية وفكرية، أعادت تشكيل اللغة والصورة والبناء الفني للنص. ففي بداياته الأولى، حمل الخطاب الأدبي نبرة تحريضية واضحة، متأثرًا بالمدّ الثوري والنضالي الذي اجتاح الساحة العربية، حيث ظهرت الأحزاب القومية واليسارية والتنظيمات الثورية التي جعلت من القضية الفلسطينية محورًا مركزيًا في خطابها السياسي والفكري. ومن الطبيعي أن يتأثر الأدب بهذه المرحلة، وأن تتسرّب إلى النصوص مفردات الثورة والمقاومة والتحرير والهزيمة والمنفى، حتى غدا الأدب في بعض نماذجه أشبه بمنشور سياسي أو خطاب تعبوي موجّه إلى الجماهير.
غير أنّ هذه المرحلة، على أهميتها التاريخية، لم تستمر على صورتها الأولى، إذ سرعان ما بدأت القصيدة العربية، والفلسطينية خاصة، بالخروج من أسر الخطاب المباشر نحو فضاءات أكثر عمقًا وتعقيدًا. ففي مطلع السبعينيات، شهد الشعر العربي تحوّلًا واضحًا على مستوى البنية الفنية والرؤية الجمالية، حيث أخذ الشعراء يعملون على تفجير اللغة من داخلها، وكسر الأنماط التقليدية للقصيدة العربية، والانفتاح على أشكال جديدة في التعبير والتخييل.
وهكذا لم يعد الشعر ملتزمًا بالبناء العمودي الصارم، بل أخذت الصورة الشعرية تنمو داخل النص بحرية أكبر، متكئة على الرمز والأسطورة والتناصّ والإيحاء، ومستفيدة من تجارب الشعر العالمي والحداثة الغربية، مع محاولة إعادة قراءة التراث العربي قراءة جديدة. ومن هنا دخلت إلى القصيدة مفردات لم تكن مألوفة من قبل، بعضها مستمد من الخطاب السياسي والتنظيمي، وبعضها الآخر مستمد من التجربة اليومية للمنفى والمخيم والسجن والانتفاضة، حتى أصبحت اللغة الشعرية نفسها ميدانًا للمقاومة.
لقد عبّر الأدب المقاوم عن لحظة تاريخية شديدة القسوة، لحظة شعرت فيها الجماهير العربية بأن أحلام التحرير الكبرى قد تكسّرت تحت وطأة النكبة والهزيمة. فبعد ضياع فلسطين عام 1948، جاءت هزيمة 1967 لتعمّق الجرح العربي وتفتح الباب أمام مراجعات فكرية وثقافية حادّة، لم تتوقف عند حدود مواجهة العدو، بل امتدت إلى مساءلة الذات العربية نفسها، الأمر الذي جعل كثيرًا من النصوص تمارس نوعًا من جلد الذات وكشف أسباب التراجع والانكسار.
ولذلك لم يعد الأدب المقاوم أدبًا احتفاليًا بالنصر، بل صار أدبًا للوعي والأسئلة والقلق الوجودي، أدبًا يحاول أن يفهم كيف حدثت الهزيمة، وكيف يمكن للإنسان العربي أن ينهض من تحت ركامها. ومن هنا ظهرت مصطلحات عديدة ارتبطت بهذه المرحلة، مثل: الأدب المقاوم، والأدب الملتزم، وأدب النكبة، وأدب النكسة، وشعر الهزيمة، وشعر الانتفاضة، وهي جميعها تعكس التحولات الفكرية والجمالية التي عاشها الأدب العربي في تلك العقود.
وقد حظي الشعر بمساحة واسعة في هذا السياق، لأنه كان الأقدر على التعبير السريع والمكثف عن غضب الجماهير وأحلامها وآلامها. فالساحة العربية آنذاك كانت تغلي بالصراعات الفكرية والحزبية، وكانت الأحزاب القومية والثورية واليسارية تتنافس في استقطاب الشارع العربي، مما جعل كثيرًا من النصوص الشعرية تتلوّن بألوان أيديولوجية واضحة. ومع ذلك، فإن هذا التداخل بين الشعر والسياسة لم يكن دائمًا سلبيًا، بل أسهم أحيانًا في توسيع دور الشعر ومنحه حضورًا جماهيريًا غير مسبوق.
وفي المقابل، ظهر تيار آخر أكثر تمسكًا بالتراث العربي، رافضًا القطيعة الكاملة معه، ومؤمنًا بأن الحداثة لا تعني هدم التراث بقدر ما تعني إعادة تأويله واكتشاف طاقاته الكامنة. وهكذا دخل الأدب العربي في سجال طويل بين تيارات الحداثة والمحافظة، بين الانفتاح على التجارب الغربية والتمسك بالجذور الثقافية العربية، وكان الأدب المقاوم جزءًا أساسيًا من هذا السجال الفكري والجمالي.
لقد تأثّر الشعراء الفلسطينيون والعرب بحدث النكبة والهزيمة وما أعقبهما من انتفاضات شعبية ومواجهات يومية، فانعكس ذلك بوضوح على بنية النص الأدبي ورؤيته. ولم يعد الشاعر يكتب عن ذاته الفردية فحسب، بل أصبح صوتًا لجماعة كاملة تحمل جرحًا تاريخيًا مفتوحًا. ولذلك جاء التعبير الشعري معبّرًا عن حالة عربية عامة، وعن صوت الجماهير الغاضبة واليائسة والمتمسكة في الوقت نفسه بأمل الخلاص.
من هنا يمكن فهم الحضور الكبير لشعراء المقاومة الذين استطاعوا أن يجعلوا من القصيدة وثيقة وجدانية وتاريخية في آنٍ واحد. فقد ظهرت قصائد ودواوين كثيرة تحتفي بالمقاومة الشعبية وتستدعي البطولة والشهادة والمنفى والعودة، لكنها لم تكن جميعها على الدرجة نفسها من النضج الفني؛ فبعض التجارب بقي أسير الانفعال والخطابية المباشرة، بينما استطاعت تجارب أخرى أن تتجاوز الظرف السياسي إلى أفق إنساني وجمالي أوسع.
وفي هذا السياق، يبدو ما يقوله جابر عصفور في كتابه "مفهوم الشعر: دراسة في التراث النقدي" شديد الدلالة، حين يؤكد أن الجماعة لا تتأثر بالشعر إلا إذا لامس حياتها وهمومها. فالشعر المقاوم نجح في التأثير لأنه لم يكن منفصلًا عن معاناة الناس، بل كان جزءًا من يومياتهم وأحلامهم وانكساراتهم.
وهكذا استطاع الأدب المقاوم أن يتحوّل من مجرّد ردّ فعل سياسي إلى مشروع ثقافي وجمالي متكامل، مشروع أعاد تعريف العلاقة بين الأدب والواقع، وبين اللغة والتاريخ، وبين الشاعر وجماعته الإنسانية. ولذلك بقي هذا الأدب، رغم تحولات الزمن، شاهدًا على مرحلة عربية عصيبة، وذاكرة حيّة تحفظ تفاصيل الألم والأمل معًا، وتؤكد أن الكلمة كانت، وما تزال، واحدة من أكثر أدوات المقاومة قدرة على البقاء.
ــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب وقاص وناقد/ مدير عام مركز دراسات القدس في عمان/ الاردن.