اخر الاخبار

للفنان العراقي دوره المتميز في معارض الفن هنا في أوروبا وبينها هولندا. ومن تلك المساهمات الكبيرة يمكننا تتبع أداء الفنان العراقي قاسم الساعدي الذي يواصل مشوار إبداعه وعطائه بمشاركات مستمرة في معارض الفن في هولندا.. كانت له مساهمته المهمة في آخر حدثين فنيين في مدينة زايست وفي أمستردام التي شهدت معرضها السنوي كونست راي  وهو المعرض الذي تأسس عام 1985، وشهد هذا العام مساهمة  100 صالة عرض مختارة بعناية من داخل هولندا وخارجها إلى جانب مجموعةً من اللوحات المعاصرة، والصور الفوتوغرافية، والتصاميم العتيقة.

وسط تلك البيئة العالمية الكونية في فضاء وجودها كانت مساهمة الفنان العراقي عبر منصة فرانك فيلكنهاوزن قد جذبت الأنظار بوضوح حتى أنها استنفدت المعروض بصورة شبه كاملة في اقتنائها من جمهور بعينه..

كانت أعمال الساعدي تحمل الكثير من الجاذبية وتتسم بروحه الجمالية وبهويته وانتمائه ومحمولاته السومرية حضارةً هناك عوامل أخرى لعل من بينها فكرة تعامله مع النحاس مادة أولية لإبداعه ومفردات تعبيره الجمالي.. وهي علامة فريدة تجمع بين  الطبيعة المرنة لهذا المعدن من جهة وبين براعته الحرفية. كما تمتلك أساليب تزيين متعددة وربما تضمنت توظيف النقش مرات والحفر في أخرى مع رسم تفاصيل دقيقة من مختلف الخطوط على سطح عمله النحاسي.. وهو ما يدركه عشاق الفن من أهمية التعمق والتنقيب عن اشتغالاته البارزة مرة والغائرة في أخرى بجانب تلك الإشارات من ثقوب تحتل مكانها بدقة واختيار جمالي مثير للمعاني وتوالدها في أذهان من يتلقى ويشاهد..

لكن ما هوية مجمل أعمال الساعدي؟ ان تعامله مع جذوره التاريخية البعيدة الغائرة في مراحل زمنية مبكرة من تاريخ العراق موئله الأول وارتباطه بالإرث السومري تحديدا الذي يظهر في لوحاته رموزا ومعالم حية لمنجز حي.. إن ذلك يعطي قيمة مضافة لقراءة جماليات تلك الأعمال هي القيمة الثقافية الثرة بمداليلها والتاريخية الغنية بإشاراتها وهنا أنت لا تحتفظ بقطعة ديكور منزلي بل بقطعة تحكي ذياك الموروث ليس في قطع مهمة ولكن حتى في الإحالة إلى معمار مراحل تاريخية مازالت شاهدا حيا بآثارها لكنها تتحول هنا إلى منجز حي معاصر بأعماله.

إن حكايات أعمال الساعدي، لا تضع لها نهاية، إذ تبقى شغوفا بالاستماع إلى المزيد منها فبين خامتها متعاظمة القيمة مع مرور الزمن وتقادمه عليها وبين أساليب التكنيك الموظّفة وما تثيره من جماليات باجتماعها وتضافر بناء مفردات خطابها الجمالي بين هذا وذاك تتعاظم قيمة مضافة تختزن موضوعات نابعة من جذور التاريخ وحضارة سومر واستدعاء منظومتها القيمية ولمسات تحكي عصرنا ورموزه وشفراته الدفيئة بحيوية تفاعلها مع ذائقة المتلقي وهي ترسم بخطوطها ومنحنياتها وألوانها وحركتها الضوئية ونوافذ محفورة بثقوب الذاكرة التي تأبى أن تتشتت بل تلتحم في بؤرة المنجز الفني لتطل عبر نوافذها كل عمل على عوالم مثيرة لخيالات بلا منتهى إنها المرأة العطاء، وهي النخلة و\أو الشجرة المثمرة وهي الطبيعة وما وراءها من سماء تتزاوج مع تراب أرض تتقمص الإنسان لتتجسد كائنات تمتلك أساطيرها الخالدة في مداليل بلا منتهى كأنها نهر متجدد لا يتكرر وحين تجتمع تصير بحارا ومحيطات تتسع لهموم الناس ومحمولاتهم الفلسفية الأعمق..  كل ذلك وغيره يتجسد في مجسَّمات أو أسطح مستطيلة أو دائرية أو بتشكيلات أخرى جميعها تخط مكنوناتها وأسرارها بأزميل مسماري وأنامل موجِّهة هي أنامل فناننا قاسم الساعدي..

وبعد فلكل عمل وقفاته المتنوعة الغنية الثرة وهو ما يمكن أن تطول وقفاتنا المشتركة معه مع كل عمل نلتقيه ونقرأ فيه وعبره رحلة إلى فضاء بعيد قصي يتجه بنا عميقا بأغوار النفس وما تمتلكه من ذائقة مرة ومن معارف ومعلومات في مرات أخرى، لتنقل تلك الأعمال الفنية الخالدة ما تنصتت إليه من همس حفيف الأشجار وحفيف أمواج النهر وخريره ومن حوارات تُبرزها إلينا تلك الخطوط المحفورة كما ألواح سومرية لكنها ليست من لُقى الأمس بل من مشغولات إبداعية لحاضرنا ودور يسجل للمبدع المتألق الساعدي ما توصل إليه من سحر إسطوري غني المعارف.