اخر الاخبار

قد يبدو هذا السؤال مثيرا، لكنه سيكون ضروريا أيضا، لأن الفلسفة هي القوة المعرفية التي تعزز خيارات المعرفة، مثلما تعزز اسئلة العقل الثقافي، في سياق انضاج التعلّم، وفي التدريب على التساؤل والمراجعة، مثلما ستكون قراءة الفلسفة مجالا للتمكين النقدي، وفي تحليل الافكار والخطابات، والتحفيز على التفكير بشكل منطقي ومنهجي..

نقرأ الفلسفةَ لنتعلمَ على اقامة الحجج، وعلى الادراك بأن أن بناء المعرفة يحتاج الى حيوية الافكار، وأنّ الجمع بين التفكير النقدي والمعرفة يحتاج الى جرعات عالية من التفلسف، فبقدر ما تبدو مهمة الفلسفة معقدة في هذا السياق، ومثيرة للأسئلة النقدية، فإنها تستدعي وعيا متعاليا، على مستوى التعرّف على طبيعة وظيفتها الثقافية والنقدية، أو على مستوى كونها ممارسة في بناء المفاهيم التي نستعملها في يومياتنا الثقافية، وفي اغناء جهازنا النقدي..

ما نقرأه في الكتب وفي الموسوعات حول الفلسفة لا يكفي للإجابة عن الاسئلة، ولا عن اشباع الفضول الخاص بتيسير استعمال الفلسفة في الدرس الثقافي، بل يتطلب الأمر تأسيس قواعد متينة، تستثمر طاقة الفلسفة المعرفية والنقدية والتحليلية، على مستوى توسيع مساحات الدرس التعليمي والنقدي في مراحله المتعددة، وكذلك على مستوى توسيع مجال الترجمة، واقامة الفاعليات والندوات والمؤتمرات التي تُعنى بتحولات وتطورات الخطاب الفلسفي، وبما يقرّبها من حياتنا الثقافية الخاضعة الى انماط تعليمية تقليدية لم تتغير منذ عقود طويلة...

كتب جيل دولوز الفيسلوف الفرنسي عن الفلسفة، وكأنها همّه الشخصي، فوصفها بأنها "فن تكوين المفاهيم وابتكارها وصناعتها" وهو بهذا التعريف جعل منها اساسا مهما في التمثيل المعرفي، وفي فاعلية ابراز قوة الثقافة للإجابة عن الأسئلة الوجودية والانسانية، ولمواجهة تحديات "الموجود" بوصفه واقعا ضاغطا، خاضعا الى مهيمنات وسياسات، والى تعقيدات تحتاج كثيرا الى ستراتجيات البناء التعليمي الحديث، والى تمثلات الوعي النقدي، والى كلّ ما يخص المعرفة واليات تناميها وتطورها,

الحاجة الى الفلسفة ليست بعيدة عن  الحاجة الى القوة، والى الفكر، فهذه القوة هي جزء من تلك الستراتجيات، والى ما يُعطي لهذه القوة فعلا اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، يمنحها طاقة المكاشفة والنقد، ويساعد على دوخلها في شبكة الافكار التي تصنع السلطة والوعي والخطاب، والابداع في تمثيله الجمالي والنقدي، وفي توسيع مساحة التفكير خارج النمط الذي تكرّس في حياتنا الثقافية والتعليمية..

السؤال الذي ينبغي اثارته هنا يتعلق بمدى الحاجة الى الدرس الفلسفي، والى الكيفية التي يمكن أن نجعلها جزءا من نظامنا التعليمي في مراحله المتعددة؟

أحسب أن هذا التساؤل يدخل في سياق مواجهة المُهمَل في ثقافتنا، والذي جعل من الدرس الثقافي والتعليمي فقيرا، ومحدودا، وبعيدا عن اغناء العقل الثقافي ومستويات عمله النقدي والمعرفي، فالفلسفة لا تعني هنا نزوعا للتجريد والتأمل، أو الهروب من الواقع، ولا تعني كذلك "تخصصا" دقيقا او وظيفة خارجة عن المألوف، بقدر ما تعني ممارسة ثقافية تنطلق من ضرورة أن يكون البناء المعرفي عميقا، ومؤثرا في الميادين المتعددة، في العلم والادب والفن، وفي مشاغل النقد الأخرى، لا سيما ما يتعلق ب"التنمية الثقافية" لأن هذه التنمية تتطلب تأسيسا صلبا للمعارف، وللثقافات وللأفكار، وباتجاه  يجعل من تكاملها منظومة كبرى، تتواصل فيها القيم الاجتماعية بالمعرفية والثقافية بالادارية، والعلمية بالفكرية.

العمل على استحداث الدرس الفلسفي في مدراسنا لا يعني دراسة تاريخ الفلسفة لوحده، بقدر ما يعني ربط هذا التاريخ بفاعلية الفلسفة كونها معرفة وتفكيرا وتعرّفا، لا سيما لعدد كبير من الفلاسفة العرب والمسلمين الذين اغنوا الموروث الفلسفي بأفكارهم العظيمة، فدرسوا الوجود والعلم والفكر والدين من منطلق اغناء المعرفة، وابراز وظيفتها في تعميق المعاني الانسانية والنقدية التي تستبطنها، فضلا عن الحاجة اليها في تنمية وتوسيع طرق التفكير وتعددها،  والمساعدة في التعرّف على الثقافات الاخرى، واهميتها في التواصل، وفي اثراء التاريخ الانساني، وبما يساعد على تحرير الفكر من العشوائيات، ومن مظاهر التطرف والعنف والكراهية، لأن المعرفة النقدية في صيغتها الفلسفية من اكثر الادوات قوة في مواجهة العنف الفكري، والارهاب الفكري، والدفع باتجاه  التدريب على ممارسات ثقافية تساعد على تغذية الوعي النقدي، مثلما تساعد "المثقف النقدي" على ادراك فاعلية المفاهيم والثقة بها في تشغيل المعرفة، على مستوى القراءة الفاعلة، أو على مستوى الفحص والمراجعة.