امتدت صداقتي الطويلة مع الشاعر الراحل موفق محمد منذ منتصف التسعينيات أي قرابة الثلاثة عقود، لم نكن نفترق عن بعض الا أياما معدودات، توطدت زمن الحصار الجائر في تسعينيات القرن الماضي حين اضطره شظف العيش أن يضع ركنا لبيع الشاي ملحقة بمطعم أخيه المرحوم حمدي أو تربية أعداد قليلة من الدجاج في بيت أهله بيت (بداري) كما كان يحب أن يطلق عليه. لم يكن الفقر والعوز والحرمان هي من تشغله وهو مدرس اللغة العربية البارع الذي تخرج من بين يديه الآف الطلبة في محافظة بابل وقد قضى في خدمته ما يقرب من الثلاثين عاما ولم يتجاوز راتبه سوى الثلاثة آلاف دينار، أعتاد أن يعيش على خط الحياة هو وعائلته، لم يتذمر من جوع أو شحة شراب بل كان مسكونا بحزن سرمدي من يوم خلق هو وأخوانه وخواته السبعة وقد أذاقوا اليتم مبكرا، يتم ليس بفقدان الأب فقط، بل فطموا على جور أنظمة سياسية لم يكن في قلبها رحمة ولم يمر طيف المواطن يوما في مخيلتها تركت الجميع تتقاذفهم أمواج الحيرة والضياع وأفق مستقبل مدلهم. رغم كل هذا الضيم لكني من يوم عرفته لم تفارق البسمة محياه، بسمه تغطي فوهة بركان داخلي يغلي لكنه يوزع لهيبه ويبرده بنكات من يسمعها يقع أرضا من فرط ضحك يفوق قدرة السامع على تحمله أو السماع بمثلها من قبل. طيلة هذه الثلاثة عقود وفي جلساتنا الليلية التي كانت تكتظ بالأصدقاء الذين كانوا يلاحقونه أنى يكون ليقضوا معه ليلة لا تتكرر من العمر، موفق دائما هو سيد الجلسة يجعل من الكلام والحدث البسيط، بموهبة القائه، نكاتا لا تنسى يتداولها الناس لحد اليوم رغم تقادم الزمن، في نفس الجلسة يقرأ من أشعاره المتبلة باللوعة والفجيعة والخسران وانتظار أيام أكثر سواداً مما يلزم الجميع على البكاء، شعر تنوء كلماته بمصيبة ابنه البكر عدي طالب كلية الهندسة الشهيد الذي أعدم في انتفاضة آذار عام 1991، قصائده تقطر حروفها وكلماتها بألم مرّ على وطن ذبيح وقع بيد سلطة دكتاتورية سكاكينها باشطة وهي تحز الرقاب، كان الجميع ينتظر دوره وهو يقف في طابور الموت، دون أن يرمش لها جفن. موفق واجه هذه الدكتاتورية الشرسة بمدافع كلماته الحارقة التي أجبرتها أن تقف مشدوهة أمام هذا التحدي والاصرار وعدم التراجع في هذه المعركة غير المتكافئة هو بأشعاره الملغومة الصادقة وهي بكل سجونها واغتيالاتها وتعطشها للقتل وتقديسها للموت والفناء، لكنه خرج منتصرا في النهاية ولم يركع لأحد رغم سهام، العوز والحرمان وفقدان الابن الحبيب وانطواء عائلته على نفسها، التي صوبت نحوه طيلة سنين. خرج مزهوا، بمساندة أصدقائه، وقد ملأوا جيوبه وروحه بالعزم والاصرار على المنازلة حتى آخر نفس.. في كل المرابد والمهرجانات الشعرية في تسعينيات القرن الماضي وأنياب السلطة تقطر دما، كان يقف على المسارح مبتسما وهو يكيل الشتائم للسلطة الباغية القذرة، كل من في القاعة يتوقع أن لا يخرج سالما وقد توزعت عيون السلطة من بعثيين ورجال الأمن في القاعات، هو يعرفهم لكن سعادته في أن يغيظهم ويعطيهم درسا لن ينسوه كقتلة وأذناب سلطة وحشرات لا يحسب لهم أي حساب. لم تنجح معه كل اغراءات السلطة الغاشمة التي أرادت اسكاته، بيت شعري واحد منه في مدح القائد الضرورة قد يكسبه الملايين لكنه بقي معارضا وقصائده كانت منشورات سرية تحرض على الثورة والتحرر من السلطة القاسية. مَن مِن العراقيين لا يتذكر قصيدة "عبديئيل" التي أحدثت صدمة في الشارع العراقي. هذا المواطن العراقي، "عبديئيل"، الذي باع سقف الدار وارتضى السكن في حاوية الأزبال بعد أن حاصرته الذئاب وسلخت جلده لكنه لم يرفع راية الاستسلام. كل قصائده في تسعينيات القرن الماضي فيها من الاحتجاج وعدم الركون الى الخنوع في مواجهة قطار الموت الذي كان يحصد الارواح بلا رحمة. أذكر عام 2003، عام الاحتلال الامريكي للعراق واسقاط نظام صدام حسين حين تم فتح المقبرة الجماعية في قضاء المحاويل لثوار انتفاضة آذار عام 1991، ذهبنا أنا وموفق الى تلك المقبرة عسى أن نجد أثرا لابنه عدي، موقف لن أنساه طيلة حياتي، كانت المقبرة تضم رفات أكثر من خمسة عشر الف شهيد، مشهد تراجيدي غرائبي لم يحصل من يوم ظهر البشر على الأرض، مئات الحفر التي فيها هياكل عظمية وملابس متهرئة وهويات شخصية أكل الظلم والجور والنسيان معظم الحروف والأسماء. وأنا أدور بيت الالاف من الهياكل العظمية التي كانت تتشابه وقد تيبست صرخات حادة في أفواهها، صرخات لن تحتاج أن تقرب رأسك منها كي تسمعها بل العكس كانت تملأ الآفاق وتخترق الآذان حتى التي بها وقر. البشر يتشابهون في لحظة الخلق والفناء، كنت أبحث في الحفر على ما يدلني على عدي ابن موفق، كان موفق وقتها جالسا على تلة ترابية وجهه أصفر شاحب بلون الكارثة وقد يغمى عليه في أية لحظة، عيناه معلقتان في سماء صامتة، يئست في البحث عن ابنه الشهيد، لكني تنبهت أخيرا الى سحنة موفق التي اقتربت من لون الشمع، بدا محنطا كتمثال، ركضت نحوه مرعوبا قلت له ها أبو عدي ماذا جرى لك..؟ ، لم يجبن وعيناه مازالتا معلقتين في السماء، أسقطت كل عين دمعة واحدة ونهض دون أن يلتفت نحوي وتحرك باتجاه سيارتي، ركبنا السيارة وعدنا الى مدينة الحلة، كنت أحاول أن أخفف من ألمه وحزنه وتهدئة روحه الحائرة القلقة، لكنه لم ينطق بحرف واحد وبقي أياما منقطعا الى نفسه وهو يسترجع بشاعة المنظر في القبر الجماعي في المحاويل، فم قبر بسعة فراغ الكون يصرخ بوجه هذا العالم الظالم، حاول جميع الاصدقاء أن يضمدوا جراحه ويخيطوا نزيف روحه وأن يثق بالقادم من الأيام والنظام الدكتاتوري الذي قطف زهور حياتنا قد ذهب الى غير رجعة. رفض أن يأخذ ثمن دم ابنه من النظام الجديد، كانت سخرية موفق مرّة وهو يرى كشاعر ما لا يراه الآخرون وتنبأ أن ما سيحصل في هذا البلد وفي هذا الزمن الجديد ربما اسوأ من زمن صدام وهو يرى بعين بصيرته أن لا تغيير حصل سوى في مظهر الناس وسلوكهم. تمت سرقة البلاد وخربت كل البنى وارتفعت النعرات الطائفية والعنصرية الشوفينية وضاع اسم العراق في ظل هذه الفوضى وانتشرت الجثث في الشوارع ولم يعد يسمع سوى انفجار السيارات المفخخة والاغتيالات على الهوية وتمت سرقة الأموال وحاضر ومستقبل البلد. لم يهادن موفق هذه الحكومات الجديدة، كانت قصائدة تلهب ظهورها بسياط من نار ووقف مع الناس في ساحات الاحتجاج والكل يترنم بقصائده، لم تكن تخلو تظاهرة من موفق وهو يتقدم الصفوف رغم كبر سنه واعتلال صحته والكل كان يشهد وقفته البطولية في انتفاضة تشرين عام 2019، ازدادت نبرة قصائده حدة ووقف بكل شجاعة مع الفقراء والمظلومين الذين شعروا أن هذا الشاعر نصيرا لهم في كل الازمنة والسلطات فأقاموا له تماثيل محبة في قلوبهم قبل أن يتبرع أحد طلبته وهو الدكتور عادل الكرعاوي على اقامة نصب يخلده في حياته ومماته، تمثال عربون لمحبة الناس له وهو مازال حيا يُرزق أعطاه رصيدا اضافيا من العزم والقدرة على مواجهة الحكومات الطائفية البائسة ما بعد عام 2003 وسلاحه قصائده التي يترنم بها كل الناس التي منحتهم زخما ثوريا لمواصلة التمرد والاحتجاج وكل ما كانت تطالب به قصائده أنه أراد وطنا آمنا يعيش به الناس بكرامة ويرفعون اسم العراق عاليا بعد أن حاول الأعداء والكارهون طمس هذا الاسم الى الأبد..رحل موفق محمد لكنه مازال حيا في ضمائر الناس، لن يُنسى مشهد خروج الناس جميعا في تشييع جنازته أو حضور أيام الفاتحة التي أقيمت له، أيام كانت بحق تظاهرة حب لهذا الشاعر الكبير شاعر المأساة العراقية. لن يمحى موفق بسهولة من حياة العراقيين يكفي أن تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي كل يوم لتجد لقاءاته في القنوات الفضائية والمهرجانات الشعرية وقصائده حيّة تستدر دموع العراقيين وتلهب أرواحهم للانعتاق والحرية..عاش موفق حرا ومات حرا، لقد أوفى دينه للوطن شعرا يبقى خالدا يترنم بعظمة العراق والعراقيين..لم يخلد المجتمع العراقي شاعرا كما خُلّد موفق محمد، هنيئا له هذا المجد العظيم..