اخر الاخبار

يتجاوز مفهوم "شغيلة الثقافة" التوصيف الوظيفي التقليدي ليصل إلى جوهر الدور التنويري والاجتماعي الذي يلعبه المثقف والفنان والكاتب في صياغة وجدان المجتمع. فهؤلاء هم الجنود المجهولون، وأحياناً المعلنون، الذين يعملون في ورشة الفكر الدائمة، محولين الأفكار المجردة إلى واقع ملموس يغذي العقل والروح. ولا يقتصر هذا المفهوم على فئة الأدباء أو الأكاديميين فحسب، بل يمتد ليشمل كل من يسهم في صناعة الوعي الجمالي والمعرفي، ويحول "الثقافة" من ترف فكري إلى "فعل" يومي. لقد كان لشغيلة الثقافة دور محوري، عبر العصور، في تشكيل الهويات الوطنية. وفي العالم العربي ارتبط اسم المثقف بالالتزام بقضايا المجتمع، وحماية الذاكرة، وتوثيق التراث والتحولات الاجتماعية من خلال أعمالهم، وبث قيم التسامح، والحرية، والتفكير النقدي، وإرساء قاعدة ثقافية صلبة، تعزز النهضة الاقتصادية والسياسية.

إن شغيلة الثقافة هم حراس الجمال في عالم تزداد فيه المادية. إنهم يدركون أن الكلمة أو اللوحة أو التمثال ليس مجرد جماد، بل هو وسيلة للتواصل العابر للزمن. والاحتفاء بهؤلاء الشغيلة، سواء كانوا من الرواد الراحلين الذين نكرّم ذكراهم، أو الشبان المبدعين الذين يرسمون ملامح المستقبل، ضرورة حضارية لضمان استمرار شعلة الوعي. إنهم يثبتون يوماً بعد يوم أن الثقافة ليست مجرد "هواية"، بل هي "شغل" وبناء مستمر يتطلب الصبر، والدقة، والإيمان المطلق بقدرة الفكر على تغيير العالم.

يواجه شغيلة الثقافة اليوم تحديات كبرى تفرضها العولمة والرقمنة. فالعمل الثقافي لم يعد مجرد إلهام، بل أصبح يتطلب أدوات تقنيةً حديثةً، وقدرةً على التكيف مع الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية. كذلك الصراع بين القيمة والسوق، وكيف يمكن للمثقف أن يحافظ على رصانة نتاجه في ظل سرعة الاستهلاك الرقمي؟

إن ملف "شغيلة الثقافة" في العراق من الملفات الشائكة التي تمزج بين الإرث الحضاري الثري والواقع المعيشي المتردي. ففي بلد عُرف تاريخياً بأنه يقرأ ويكتب يجد المثقف والفنان والكاتب نفسه اليوم في مواجهة ترسانة من التحديات التي تبدأ بتهميش الدور وتنتهي بضياع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

- التهميش المؤسساتي وغياب التشريعات

أول أوجه هضم الحقوق يتمثل في الجانب التشريعي. فرغم وجود نقابات واتحادات عريقة (كاتحاد الأدباء، نقابة الفنانين، ونقابة الصحفيين)، فإن القوانين الحامية لحقوق "الشغيل الثقافي" لا تزال قاصرةً عن مواكبة العصر.

كما يفتقر المثقف العراقي إلى قانون يضمن له تفرغاً إبداعياً مدعوماً من الدولة، مما يضطره للعمل في مهن بعيدة كل البعد عن تخصصه لتأمين لقمة العيش، ويعاني المؤلفون والناشرون من قرصنة الكتب والإنتاج الفني من دون رادع قانوني حقيقي، مما يجعل "المنتج الثقافي" مستباحاً بلا عائد مادي ينصف الجهد المبذول.

- الواقع الاقتصادي: الإبداع تحت خط الفقر

يعاني قطاع واسع من شغيلة الثقافة من غياب شبكة الأمان الاجتماعي، والمنح السنوية (المكافآت التشجيعية)، ومكافآت النشر ضئيلة جداً وغير منتظمة تقتصر على صحيفة "الصباح" الرسمية، بينما لا تمنح مجلات عريقة تصدر عن دار الشؤون الثقافية العامة مثل "الأقلام" و"الثقافة الأجنبية" و"المورد" و"التراث الشعبي" أي مكافآت لكتّابها. ويشمل هضم هذا الحق الكتب التي تنشرها الدار للمؤلفين العراقيين. ناهيكم عن افتقار شريحة كبيرة من هؤلاء الشغيلة إلى رواتب تقاعدية مجزية تليق بما قدموه من خدمة وطنية ومعرفية.

إن هضم حقوق شغيلة الثقافة خسارة لرأس المال الرمزي للعراق، فالمثقف الذي يشعر بالظلم لن يستطيع بناء مجتمع متسامح ومستنير. وإصلاح واقع هذه الشريحة يتطلب إرادة سياسية حقيقية تدرك أن "الأمن الثقافي" لا يقل أهمية عن الأمن الغذائي. ويشمل الإصلاح: تشريع قوانين عصرية تضمن التقاعد الكريم وحماية حقوق الملكية الفكرية، ودعم الصناعات الإبداعية بتحويل الثقافة من قطاع مستهلك للميزانية إلى قطاع منتج من خلال السياحة الثقافية والاستثمار الفني، وتأسيس مجلس أعلى للثقافة، وتفعيل دور النقابات والاتحادات لتكون مدافعاً شرساً عن حقوق أعضائها.