اخر الاخبار

في الأول من أيار، الذي ارتبط تاريخياً بنضالات الطبقة العاملة منذ قضية هايماركت، لا يعود الاحتفال مجرد طقسٍ سنوي، بل لحظة وعيٍ طبقي تتجدد فيها الأسئلة الكبرى: من يعمل؟ من يملك؟ ومن يحكم؟ هنا، لا يظهر العامل وحده في المشهد، بل يقف إلى جانبه المثقف—ليس كزينة خطابية، بل كجزءٍ من البنية ذاتها التي تنتج الوعي كما تُنتج اليد الخبز.

في قراءة قريبة من فكر كارل ماركس، لا يمكن فصل “شغيلة اليد” عن “شغيلة الفكر”. فالمجتمع لا يقوم فقط على أدوات الإنتاج، بل أيضاً على ما سمّاه “البنية الفوقية”: الثقافة، الخطاب، الوعي. وحين تختل هذه العلاقة، يصبح العامل مُستغَلاً في جسده، والمثقف مُستلباً في وعيه.

المشكلة لا تبدأ بالفقر، بل بغياب الدولة بوصفها إطاراً جامعاً. في “اللادولة”، لا يُختطف الاقتصاد فقط، بل يُختطف المعنى نفسه: يتراجع القانون لصالح “الفزعة”، وتُستبدل العدالة بتوازنات القوة، ويُعاد تعريف الحق على وفق ميزان العشيرة والطائفة.

في هذا السياق، لا يعود الاستغلال طبقياً خالصاً كما تصوّره الكلاسيكيات الماركسية، بل يتلبس أشكالاً هجينة: العامل لا يُستغل فقط لأنه عامل، بل لأنه ينتمي إلى جماعة أضعف، أو لأنه خارج شبكة الحماية العرفية. وهنا، يتحول الانقسام الطائفي والعشائري إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، لا مجرد بقايا اجتماعية.

في هذا المشهد، ليس مراقباً محايداً. إما أن يكون جزءاً من آلية التبرير، أو جزءاً من مشروع التفكيك. المثقف الذي ينشغل بهويات ضيقة، ويغض الطرف عن بنية الاستغلال، لا يختلف كثيراً عن تاجرٍ يبيع خطاباً بدل بضاعة.

في التراث النقدي، كما عند أنطونيو غرامشي، يظهر مفهوم “المثقف العضوي”: ذاك الذي لا يعيش خارج طبقته، بل يعبّر عنها، ويعيد صياغة وعيها، ويمنحها أدوات الفهم والمقاومة. وفي زمن “اللادولة”، تصبح هذه الوظيفة أكثر إلحاحاً: لأن الصراع لم يعد فقط على الثروة، بل على تعريف الواقع نفسه.

إذا كان العامل ينتج القيمة، فإن المثقف ينتج إدراك هذه القيمة. وإذا كانت اليد تبني، فإن العقل يحمي ما بُني من أن يُنهب أو يُعاد توظيفه ضد أصحابه. في مجتمعات تتنازعها الهويات الفرعية، يضيع صوت العامل بين صخب الانتماءات، ويُستدعى المثقف ليكون بوقاً لا ناقداً. وهنا تحديداً تتكسر إمكانية أي مشروع تحرري: لأن الوعي يُفصل عن الإنتاج، والعدالة تُفصل عن القانون.

العلاقة بين الشغيلة والسلطة ليست علاقةً حيادية، بل هي في جوهرها علاقة شدٍّ دائم بين من يُنتج ومن يُدير. فالشغيلة—يداً وفكراً—هم الذين يخلقون القيمة المادية والرمزية للمجتمع، بينما تتولى السلطة تنظيم هذه القيمة وتوزيعها. غير أن الخلل يبدأ حين تنفصل السلطة عن قاعدتها الاجتماعية، فتتحول من إطارٍ ضامن للحقوق إلى جهازٍ يعيد إنتاج الامتيازات.

في هذا السياق، كما يبيّن كارل ماركس، يصبح العمل مصدراً للثروة، لكن العامل لا يمتلك ثمار جهده، بل يخضع لمنظومة تتحكم بنتاجه. وهنا تبرز ضرورة وعي الشغيلة بدورهم التاريخي، لا بوصفهم أدوات إنتاج فحسب، بل كقوة قادرة على مساءلة السلطة وإعادة توجيهها نحو الصالح العام. فالسلطة التي لا تُراقَب تتحول إلى امتياز، والشغيلة التي لا تعي موقعها تتحول إلى رقم في معادلة لا تخدمها.

عيد العمال، في هذا المعنى، ليس احتفالاً بالعمل فقط، بل دعوة لإعادة ربط ما انقطع: أن يرى العامل في المثقف حليفاً لا نخبة، وأن يرى المثقف في العامل أساساً لا موضوعاً للكتابة.

العالم لم يعد يُقاس بما يملك من موارد، بل بما ينتجه من معرفة. الدول التي استثمرت في الإنسان، لا في الأرض فقط، استطاعت أن تُحوّل العمل إلى قوة، والمعرفة إلى ثروة.

أما في “اللادولة”، فالثروة تتحول إلى لعنة: لأنها تُدار خارج منطق المؤسسات، وتُوزّع على وفق شبكات الولاء، وتُستنزف في صراعات لا تنتج إلا مزيداً من الانقسام.

هنا، يعود السؤال الماركسي في صيغة جديدة: ليس فقط من يملك وسائل الإنتاج؟ بل: من يملك تعريف الدولة ذاتها؟

في الأول من أيار، لا يكفي أن نرفع الشعارات. المطلوب هو إعادة بناء التحالف بين شغيلة اليد والفكر، بوصفه شرطاً لقيام الدولة، لا مجرد مطلبٍ داخلها. دولة لا تُدار بالعشيرة، ولا تُختزل في الطائفة، بل تقوم على مواطنٍ يعرف حقه، وواجبٍ لا يُفرض عليه باسم الماضي.

المجد لكل يدٍ تبني، ولكل عقلٍ يرفض أن يكون شاهداً على الخراب، ولكل وعيٍ يُدرك أن المعركة اليوم… ليست فقط من أجل الخبز، بل من أجل الدولة نفسها.