اخر الاخبار

من خلال اطلاعي على عدد من المقالات التي نشرها كاظم غيلان تحت عنوان "يوميات كاتب عرايض"، حاولتُ مقاربتها بوصفها مادة صالحة للدراسة التاريخية على وفق منهج الميكروتاريخ، ذلك المنهج الذي لا ينشغل بالأحداث الكبرى بوصفها وقائع مكتفية بذاتها، بل يسعى إلى تفكيكها عبر تتبع التفاصيل اليومية الصغيرة، والتجارب الفردية الهامشية، وما تختزنه من دلالات اجتماعية وثقافية وسياسية. وتكشف هذه اليوميات، بوضوح لافت، كيف يمكن للسرد الذاتي واليومي أن يتحول إلى وثيقة تاريخية موازية، تُضيء مناطق معتمة في التاريخ العراقي الحديث، ولا سيما في فترات الحصار والحرب والتحولات السياسية العنيفة.

تُظهر مقالات غيلان كيف أن ما يسميه التاريخ الرسمي "أحداثًا كبرى" لا يمكن فهمه فهماً عميقاً إلا بمتابعة دقيقة لحياة الأفراد، وللمواقف اليومية العابرة، ولشبكات العلاقات الصغيرة التي تتشكل في الهامش الاجتماعي والثقافي. فاليوميات تنطلق من مشاهد تبدو للوهلة الأولى بسيطة: تنقلات بين المدن العراقية، زيارات للصحف والمجلات، حضور في المكاتب الأدبية والثقافية، غير أن هذه التفاصيل سرعان ما تكشف عن بنية معقدة من التفاعل بين الفرد والسلطة، وبين الثقافة والرقابة، وبين البقاء والأخلاق في زمن القهر.

في بغداد مثلاً يصف غيلان تجربة المكتب الذي فتحه الشاعر أحمد الشيخ علي، بمشاركة الشاعر خالد مطلك، للطباعة والاستنساخ تحت اسم "المدى"، وهو مكان يتجاوز كونه موقع عمل تقني ليغدو مركزاً ثقافياً غير معلن، تلتقي فيه أسماء معروفة في الوسط الثقافي مثل حيدر سعيد وصفاء صنكور وياسر الياسري وجمال العميدي وقاسم محمد عباس. هنا يشتغل الميكروتاريخ بكثافة؛ فالمكتب يتحول إلى عقدة في شبكة علاقات ثقافية، وإلى مساحة مقاومة ناعمة للرقابة، حيث تُبتكر رموز تحذيرية مثل كلمة السر "هاني" للإشارة إلى اقتراب مفرزات الإعلام السياسي أو الأمن العام. هذه التفاصيل الصغيرة لا تُسجّل بوصفها طرائف، بل بوصفها دلائل على كيفية تكيّف المثقفين مع القمع، وعلى استراتيجياتهم اليومية للبقاء.

   ويمثل كل موقف في يوميات غيلان انعكاساً مباشراً لتفاعل الفرد مع الظروف القاسية، سواء في صراعاته مع مؤسسات الدولة، كما في الخلافات مع وزارة الأوقاف حول رفع الإيجارات، أو في إدارة شؤون الطباعة والتزوير خلال سنوات الحصار والغزو، حين ظهرت مافيات احتكارية تتحكم بالغذاء والدواء، مقابل نوع من الاحترام الضمني لتجار الوثائق المزورة الذين أسهموا في إنقاذ الناس من الجوع والموت. في هذا السياق، يلتقط غيلان توازناً هشاً بين الأخلاق والتكيّف، بين القانون والبقاء، وهو توازن لا يمكن للتاريخ الكبير أن يرصده من دون هذه الشهادات الدقيقة.

وتبرز الصحافة الأسبوعية، مثل صفحة "شعبيات" في جريدة "ألوان"، بوصفها فسحة محدودة للكتابة الثقافية، تُمارس داخل هامش ضيق من الحرية. ففي هذه الصفحة، تُمنح القصيدة الشعبية العراقية محاولة جديدة لتثبيت هويتها الثقافية، على الرغم من ملاحقة الدولة لها واتهامها بالانحطاط الأخلاقي والفني. وهنا يتجلى الميكروتاريخ بصفته قراءة للتفاصيل الثقافية اليومية: لقاءات مع نقاد، محاولات لتدريس الأدب الشعبي في الجامعات، وسجالات صامتة مع السلطة، تتحول جميعها إلى أشكال من المقاومة الفردية التي تحفظ للثقافة دورها في مواجهة التبعية والخضوع.

وتتعمق قيمة الميكروتاريخ في يوميات غيلان حين يصف رحلته لتغطية تجربة مظفر النواب، حيث تتداخل الأبعاد الشخصية والاجتماعية والسياسية في سرد واحد. فانتقاله من بغداد إلى الديوانية للقاء علي الشباني لا يُسرد بوصفه رحلة مهنية حسب، بل بوصفه عبوراً في ذاكرة المدن، حيث تختلط روائح المكان بتاريخ المنفى القسري، وتتجاور تفاصيل الحياة اليومية مع ثقل الأحداث الكبرى. كما تتسع شبكة العلاقات عبر مركز الصحافة التابع لوليد الزبيدي، الذي شكل محوراً لربط الصحافة العراقية بفضاءات خليجية وعالمية، مانحاً اليوميات بعداً عابراً للمحلية، لكنه مشدود دوماً إلى اليومي والمعيش.

ويبلغ الميكروتاريخ ذروته في وصف غيلان للشعراء والأدباء ومواقفهم الفردية في مواجهة السلطة والحرب. فاستعارة "البلبل المدفون في الحيدرخانة" التي يستخدمها أحمد يعقوب تعيد تمثيل الألم الشخصي في سياق الحرب العراقية - الإيرانية، بينما يتحول مشهد حفر قبر لعصفور قُتل بشظية، بمشاركة العريف عويد عكار، إلى رمز مكثف لتداخل الصغير بالكبير، ولتحول الفعل اليومي البسيط إلى شهادة على وحشية الحرب. في هذه اللحظات، يسجل غيلان تاريخاً صغيراً، لكنه بالغ الإنسانية، يسهم في إعادة فهم التاريخ الكبير من زاوية الذاكرة والألم والإبداع.

تقدم "يوميات كاتب عرائض" أنموذجاً بالغ الأهمية لتطبيق منهج الميكروتاريخ على العراق الحديث، إذ تُظهر كيف يتكوّن التاريخ من تراكم تفاصيل صغيرة، وكيف تُصاغ الذاكرة الجماعية عن طريق تجارب الأفراد. متابعة حياة الكتاب والشعراء والمثقفين والقراء، لنفهم ليس ما جرى فقط، بل كيف عِيشَ ما جرى، مؤكدة أن التاريخ الكبير، مهما بدا متماسكاً، إنما يقوم في جوهره على تاريخ يومي هش وإنساني وصادق.