اخر الاخبار

هناك نوع من الفودگا الروسية، في داخل قنينتها سنبلة تتلألأ، لا أدري لماذا رأيتها مثل روح طافية، ظننتها روح الخمر.

هذه السنبلة إذن لم توجد في النصّ الأدبي، فالنصّ يفقد أهميته كفنّ، يفقد روحه، روح الأدب، لذلك لا يُسكرنا.

أتحدث على الأرجح عن فودكا (زوبروفكا) أو أنواع مشابهة من الفودكا الروسية والبولندية التي تضع نبتة "عشب الجاموس" داخل الزجاجة.

تلك السنبلة ليست مجرد زينة، بل هي التي تمنح السائل لونه الذهبي الباهت ونكهته المميزة، لكني نقلت الأمر من مستواه المادي إلى مستواه الفلسفي؛ فاعتبرتها "روح الخمر"، وأسقطت هذا المفهوم على الأدب.

في الأدب، السنبلة هي التفصيلة الحية، النص الذي يخلو من هذه الروح هو نص مقطّر زيادة عن اللزوم، بارد، وتقني، مثل الكحول الطبي؛ قد يكون دقيقًا لغويًا، لكنه لا يملك القدرة على إسكار القارئ أو جذبه إلى عالمه.

السنبلة في الزجاجة تكسر جمود السائل، وكذلك الروح في النص تكسر رتابة الكلمات.

وجود السنبلة يوحي بأن الخمر جاء من الطبيعة، من الأرض، كذلك النص العظيم يشعرك بأنه نابع من تجربة إنسانية حقيقية، وليس مجرد صف كلمات.

السنبلة تظل تنضح بنكهتها ما دام السائل موجودًا، والأدب الحي يظل يمنح القارئ معاني جديدة في كل قراءة.

لماذا لا يُسكرنا النص بدونها؟

بدون تلك "الروح الطافية"، يتحول النص إلى تقرير إخباري أو تعليمات جافة، السُكْر الذي أقصده هنا هو "الحالة الشعورية" التي تخرجنا من واقعنا وتجعلنا نرى العالم بعيون الكاتب، إذا غابت السنبلة (التي قد تكون استعارة مدهشة، أو صدقًا شعوريًا، أو لمحة عبقرية)، يظل القارئ صاحيًا تمامًا، يراقب عيوب النص بدلًا من الغرق فيه.

   من الكتّاب من يملك التقنية التي تصنع القنينة، ويملك المعرفة التي تمثل السائل الصافي، لكنه لا يملك معجزة الموهبة ليصنع تلك السنبلة، حتى لا يظل نصّه مجرد كلام بارد، بعبارة أخرى مثل مَنْ يستطيع تشريح جثة ضفدع، لكنه لا يستطيع أن يجعله يقفز.

هناك روايات إذا نزعت منها تلك السنبلة تحولت إلى مجرد حكايات عادية، خذ مثلًا:

رواية "العطر" لباتريك زوسكيند

هذه الرواية ليست مجرد قصة عن قاتل، بل هي السنبلة في أبهى صورها.

البطل "غرينوي" يبحث عن جوهر الأشياء، عن روحها الكامنة في الرائحة، الكاتب هنا لا يصف لك المشاهد، بل يجعلك تشم الكلمات، هذه القدرة على تحويل اللغة إلى حاسة شم هي السنبلة التي تجعل النص يُسكرك ويصيبك بالدوار.

لكن لماذا هي فن؟

لأننا لو جردنا الرواية من لغتها الحسية المكثفة ووصفها العجائبي للروائح، ستبقى قصة جريمة عادية، لكن زوسكيند وضع الروح في التفاصيل، فجعل القارئ يثمل من جمال الوصف رغم قتامة الموضوع.

خذ مثلًا آخر:

رواية "زوربا اليوناني" لنيكوس كازانتزاكيس

إذا كنا نبحث عن "روح الخمر" بمعناها الحقيقي، فزوربا هو السنبلة، هو تلك النبتة البرية التي وُضعت في زجاجة الأدب، هو الحياة الخام، الرقص، الجنون، والتحرر من القيود.

عندما تقرأ حوارات زوربا، تشعر بحالة من الانتشاء والرغبة في تذوق الحياة.

الرواية بلا شخصية زوربا هي مجرد بحث فلسفي ممل، لكن بوجوده، يصبح النص تجربة وجودية تُسكر القارئ وتغير نظرته للعالم.

مثالًا آخر:

"مئة عام من العزلة" لغابرييل غارسيا ماركيز.

السنبلة هنا هي "الخيال" الذي ينساب مع الواقع دون فواصل، فتجد نفسك تصدق أن هناك نساءً يصعدن إلى السماء مع الملاءات، وتثمل بهذا المزيج العجيب.

أما فرجينيا وولف، فهي لا تضع سنبلة واحدة في القنينة، بل تجعل النص بأكمله عبارة عن حقل من السنابل يتمايل مع ريح الأفكار.

في رواية "السيدة دالواي" أو رواية "إلى المنارة" السنبلة هي اللحظة الآنية، فرجينيا لا تهتم بالحدث (ماذا حدث؟)، بل تهتم بصدى الحدث داخل النفس، أو رنين الحدث داخل الشخصية (بماذا شعرنا عندما حدث؟).

في الفودكا العادية، السائل ساكن، لكنه عند وولف يتحرك في دوائر، قد تبدأ الجملة بوصف "طقطقة مقبض الباب" في لندن، وتنتهي بذكرى شمس تشرق على شاطئ قبل عشرين عاماً، هذه "الروح الطافية" هي التي تربط الماضي بالحاضر في جملة واحدة طويلة ونفسٍ لاهث.

الروح عندها ليست ثابتة؛ بل تنتقل من رأس شخصية إلى أخرى بسلاسة مذهلة، نحن لا نقرأ القصة، بل نطفو داخل عقول الأبطال، تمامًا كما تطفو تلك السنبلة وتلامس جدران الزجاجة من كل الجهات.

فرجينيا وولف تُسكرنا لأنها ترفع الغطاء عن الثرثرة الداخلية التي نخفيها عن العالم، تجعلك تشعر أن وعيك أنت، كقارئ، هو جزء من هذا النص.

السنبلة هي ذلك الشيء غير المرئي الذي يجعلنا نشعر بوجع الكاتب أو نشوته خلف الكلمات، مهما كان نوع القالب الذي يكتب فيه.

لكن هل هذه الروح هي هبة يولد بها الكاتب، أم أنها شيء يكتسبه عندما يقرر أن يحترق بصدق داخل نصه؟

تعالوا لنكتشف السنبلة أو الروح الطافية في روايات أخرى:

"مذلون مهانون" أو "الجريمة والعقاب" فيودور دوستويفسكي

دوستويفسكي هو "خمّار" الأدب الروسي الأكبر، السنبلة عنده هي "الحمى".

في نصوصه، لا تمشي الشخصيات على الأرض، بل تمشي على حواف أعصابها، تلك الروح التي تتلألأ داخل زجاجته هي "المعاناة الإنسانية الصادقة".

لا نقرأ دوستويفسكي لنستمتع بالحبكة، بل لنثمل بصراعات الروح بين الخير والشر، إذا نزعنا النبرة القلقة والمتوترة من نصه، سيتحول إلى مجرد محضر شرطة، لكن وجودها هو ما يجعل النص حيًّا و"مُسكرًا".

"البحث عن الزمن المفقود" لمارسل بروست

السنبلة هنا هي "الذاكرة الحسية"، بروست يضع "قطعة كعك المادلين" في الشاي، فتنفجر منها آلاف الصفحات، السنبلة عنده هي تلك التفاصيل الصغيرة التي تبدو تافهة (رائحة غبار، ملمس بلاط، صوت جرس) لكنها تحمل روح العمر بأكمله.

نصّه يجعلك تفقد الإحساس بالزمن الحقيقي وتغرق في زمنه هو، زمنه النفسي أقصد، بحيث بدونه يصبح النص مجرد مذكرات أرستقراطي ممل، لكن بوجوده يتحول إلى رحلة سحرية داخل الوعي.

"بارون تحت الأشجار" لإيتالو كالفينو

السنبلة هنا هي "الخفة والخيال".

بطل يقرر أن يعيش حياته كلها فوق الأشجار ولا يلمس الأرض أبدًا، السنبلة هي هذا "التمرد العبثي" الجميل.

   كالفينو يجعلنا نرى العالم من الأعلى، من بين الأوراق، هذه الروح تمنح النص طعمًا حريفًا ومنعشًا؛ إذا نزعت منها الخيال، ستكون قصة رجل مجنون، لكن بوجودها هي فن خالص يرفعك عن الأرض.

"شاي الشاي" أو أعمال "ياسوناري كاواباتا"

هنا السنبلة هي "الصمت والجمال الحزين".

في الأدب الياباني، السنبلة غالبًا ما تكون "ما لا يُقال"، تلألؤ الروح يظهر في الفراغات، في وصف تساقط الثلج أو حركة يد أثناء طقوس الشاي.

النصّ عنده هو سكر هادئ، مثل تأثير "الساكي" الدافئ، يجعلنا نتأمل الجمال الذي يسبق الفناء مباشرة.

لكن كيف نعرف "السنبلة" في هذه الروايات؟

سنعرفها عندما نغلق الكتاب ونجد أن "نكهته" لا تزال في عقولنا كأنها مذاق عالق، السائل (الكلمات) قد انتهى، لكن الروح (الأثر) ظلت طافية بداخلك.