لا يعرِفُ هذا الجيلُ، ولا الجيلُ الذي قبلَه، محمّدًا السباعيَّ (1881 – 1931)؛ فقد بَعُد العهدُ به، واختفت آثارُه من سوقِ الكتب، وقلَّ مَن يذكرُه مِن الدارسين؛ لكنّهم قد يعرفونَ، بنحوٍ ما، كاتبًا اسمُه يوسفُ السباعيّ (1917 – 1978)، ويعرفون ما له في الإدارةِ والسياسةِ، والقَصص؛ إذ رُزِق الابنُ شهرةً وسيرورةً أكثر ممّا رُزِق أبوه؛ على أنّ الأبَ أشدُّ أصالةً، وأقوى أدبًا، وأمتنُ لغةً.
ولد محمّد السباعيّ في القاهرة، ونشأ فيها، ودرس، وأخذ نفسَه، وهو في مطلع حياته، بالتعلّم والاستزادة؛ فالتحق بمدرسةِ المعلمينَ العليا وتخرّج فيها؛ وكانت المدرسةُ، يومئذٍ، معهدًا رفيعًا من معاهد العلم في مصر؛ تخرّج فيها إبراهيمُ عبد القادر المازنيّ، وعبدُ الرحمن شكريّ، وآخرون ممّن كان في وجوه الأدب مطالعَ القرن العشرين. وعمل بالتدريس، بعد تخرّجه، مدّةً، غيرَ أنّه أراد أن ينصرفَ إلى الأدب وينقطعَ إليه؛ يكتب ويترجم، فتخلّى عن عمله، واقتصر من حياته على الكتابة والنشر.
ولقد انصبّ جُهدُه، في مدرسة المعلمين، وفي ما بعدها، على العربيّةِ والإنكليزيّة حتّى برَع فيهما كلتيهما؛ إذ درس الأدبَ العربيّ في أعلامهِ من الشعر والنثر دراسةَ المتدبّر الذي يريد أن يفقهَ سرَّ الصناعتين، وأن يقف على مناحي البيانِ في العربيّة، ودرس الأدبَ الإنكليزيّ في أعلامه من الكُتّاب والشعراء، وعُني بشكسبير، وديكنز، وبأصحابِ المقالةِ الأدبيّة: أديسون، وماكولي، وتشارلز لام. وقد استوت له، من بعدُ، معرفةٌ رصينة متماسكةُ الجنبات لا يبعد الفكرُ فيها عن الأدب، ولا الأدبُ عن الفكر؛ فلمّا أخذ بالكتابة كان محصولُه غزيرًا متوافرًا.
ولقد انشغل بالترجمة؛ فنقل إلى العربيّة من الإنكليزيّة: "قصّة مدينتين"، لديكنز، و"يوليوس قيصر"، لشكسبير، و"رسائل النادي"، لأديسون، و"الأبطال"، لكارليل، و"التربية"، لسبنسر، وغير ذلك. وهو في الترجمة، كاتبٌ، لا ينقُل الأثرَ حرفًا بحرف، ولا يحرِص على تمام المطابقة؛ بل يُعنى، أشدَّ العناية، بالبيانِ العربيّ وفصاحته حتّى يُخرجَ الأثرَ المترجَمَ عربيًّا بليغًا مُحْكَم الصياغة؛ وأوضح ما يكون ذلك في ما نشر من قصص عنواناتُها:" قصص إنكليزيّة"، و"قصص فرنسيّة"، و"قصص روسيّة"، نصيبُ التأليف فيها يفوق نصيبَ الترجمة؛ وهي في جملتها حكايات مزيّتها في بيانِها الرفيعِ، وفي العِبْرة المستفادة منها؛ أمّا بناؤها فيقوم على تتابع الحكي كتتابع الأخبار. يقول في واحدة من القصص الفرنسيّة عنوانها: "عبيد الهوى": "انطلقتِ الباخرةُ بنا تمخُرُ العبابَ إزاءَ ساحلِ أرضٍ ممرعةٍ ناضرة، من بلاد المناطقِ الحارّة؛ حاملتَنا على صدرٍ أزرقِ الجِمامِ صافي الأديمِ، لم أشهدْ في أسفاري أزرقَ منه صفحةً ولا أصفى أديمًا."
كانت الكتابةُ المترسّلةُ السمحةُ غيرُ المثقَلَة بالمحسّنات، يومئذٍ، في أُخرياتِ القرن التاسع عشر وأوائلِ القرن العشرين، تكاد تكون شيئًا جديدًا؛ فلقد عُرِفتِ الصحفُ اليوميّة، والمجلّاتُ، وعُرِف معها ما تقتضيه الكتابةُ فيها من تخفّفٍ من الصناعةِ اللفظيّة المُثقِلة، وعُرِف ما ينبغي لها من الإبانةِ عن المحيط الاجتماعيّ، وما يتلبّس به من حوادث إبانةً واضحةً متماسكة؛ فكان أن عرَفتِ الصحافةُ المقالةَ، ووجدت فيها النمطَ القادرَ على ما تريد من خطابٍ يوميّ يصل إلى قرّائها. ولقد تهيّأ لبعضِ الصحفِ أن ترعى المقالةَ، وتُرسي معالمَها، وتُجري الكتابةَ على وجهها الصحيح المبين كصحيفةِ" الجريدة"، التي أنشأها أحمد لطفي السيّد، مع صحبه، في سنة 1907؛ إذ أُتيحَ للمقالةِ، على قلمه وفي صحيفته، أن تتكاملَ، وأن تأخذ هيكلَها، وأن يُتاحَ، من بعدُ، لذوي الطبعِ المواتي، على صفحاتِ الجريدة، أن يزاولوا الكتابةَ، وأن يمدّوا المقالةَ بنُسغٍ من العاطفة، وبطيف من الخيال؛ وقد كان محمّد السباعيّ من أبرز أولئك الكتّاب الذين خطَوا بالمقالةِ الأدبيّةِ خطواتٍ واضحةَ المعالم.
التقت عند السباعيّ ثلاثةُ عناصر فجعلت منه في ريادةِ المقالةِ الأدبيّة؛ هي: طبعٌ مواتٍ، ومعرفةٌ رصينة بالأدب العربيّ؛ شعرهِ ونثرهِ، وعلمٌ صحيح بالمقالةِ في الأدب الإنكليزيّ، وبأعلامها؛ فإذ أخذَ يكتبُ كان على جادّةِ الأدب الرفيع في انتقاء اللفظ، وبناء الجملة، وتماسك الفِقَر، ودقّة الإعراب عن العواطف والأفكار. وله في باب المقالة من النثر الخالص: "صور"، و"السمر"، و"خواطر في الأدب والحياة"، وغيرها. وهي أشياء كان ينشرها مفرّقةً في الصحف والمجلّات، وكان لا يريد لها أن تطوى مع طي تلك الصحف؛ فكانَ كلّما اجتمع له قدرٌ صالحٌ منها عَمَد إلى المواءَمةِ بينها وإصدارها في كتاب يحفظها لتكون شاهدًا، من بعدُ، على ما بلغه النثر في مطالع القرن العشرين. من أمثلةِ خواطره قولُه في الأدب:" ألا إنّما الأدبُ ما زادَ ولا نقصَ عن كونهِ تصويرًا لما اشتمل عليه هذا الوجود من آيات الروعة والجمال؛ فهل تغيّرت آياتُ الجمال والروعة في الكون وبُدّلت بآيات جديدة؟"، ويقول في موضع آخر من خواطره:" البيتُ هو الوالدُ الرحيم، والظئرُ الرءومُ، والعصمةُ والملاذ والموئلُ من آفاتِ الدنيا وشرورِ المجتمع."
لا يخطئُ القارئُ وهو يقرأ ما ترجم من قصصٍ، وما كتب من مقالات؛ أن يرى فيه منشغلًا في توخّي الفصاحةِ الفصيحة، نازعًا إلى الأدب القديم في اللفظ وبناء الجملة؛ ولربّما استهواه لفظ فأتى به، على غرابته، وأحلّه في قصّة من القصص، أو مقالة من المقالات.
والسباعيُّ بكلّ ما كتب، وما ترجم؛ إنّما يُريد أن يُعربَ عن خواطرِ نفسهِ، وخلجاتِ ذهنه؛ وهو، في ذلك كلّه، يتتبّع أشباهه، ومن يجد عندهم شيئًا من صدى روحه؛ فلقد قرأ عمر الخيّام (433 هـ - 517 هـ) في رباعيّاته التي ترجمها فيتزجيرالد (1809 – 1883) فأُخذ بها؛ بجوّها، وبفكرها المتلبّس بالعاطفة، وبخيالها المبتَكر؛ ثمّ ترجمها إلى العربيّة شعرًا، وجعلها في ثلاثة أناشيد، كلّها على بحر الرمل: فاعلاتن فاعلاتن فاعلن... فاعلاتن فاعلاتن فاعلن
وجعل كلَّ ثلاثة أشطر على رويّ بعينه، ثمّ يجيء الشطرُ الرابع على رويّ آخر يلتزمه في النشيد كلِّه، ويجيء الشطرُ الخامس على "فاعلانْ" برويّ مختلفٍ يلتزمه في النشيد كلِّه أيضا:
غـــــــرّدَ الطــــيــرُ فـــــنبّهْ مــــــــن نعــــسْ... وأدرْ كــأسَــكَ فالعيـــشُ خُلَـــسْ
سُلَّ سيفُ الفجرِ من غِمْدِ الغلسْ... وانبرى في الشرقِ رامٍ أرْسلا
أسهُمَ الأنوارِ في هامِ القِلاعْ
أي إنّه يلتزم رويَّ اللامِ والعين في الشطر الرابع والشطر الخامس من النشيد الأوّل كلِّه، فإذا جاء إلى النشيد الثاني التزم في الشطر الرابع رويَّ الميم المفتوحة، وفي الخامس الميم الساكنة، وفي النشيد الثالث التزم في الشطرين الرابع والخامس رويَّ الراء الساكنة. وهذه صنعة دقيقةٌ محكمة تشهد بعلو بمقدرته على النظم، وحسن تصرّفه فيه. وحين أصدر الرباعيّاتِ في كتاب؛ أهداه إلى أحمد شوقيّ بكلِمٍ بليغ واسعِ الثناء على: "شاعرِ النيل، ونابغةِ الجيل، وفخرِ مصر، وسيّدِ شعراء العصر...".
ولا ريبَ في أنّ السباعيّ، في ترجمة الرباعيّات، شاعرٌ قديرٌ لا تقلُّ بلاغةُ شعر عن بلاغة نثره!
غيرَ أنّه، بما له من تأليفٍ وترجمة، أدركته حِرفةُ الأدبِ، فشقيَ بما عنده، وضاقت ذاتُ يده عن أن تفيَ بحاجته، ونَدِم على تركه التدريس، ذا الراتب، وانصرافِه إلى الأدبِ الذي لا يكاد يُمسك عليه شؤونَ حياته؛ قال في أُخرياتهِ:" وأصبحتْ حرفةُ القلمِ عندي، بعد ما كان لها من سالفِ الزمن من اللذّة والسرورِ، كاسفةً حزينةً، جافّةً جَدِبَةً، ناضبةً مقفرة... وأصبحَ القلمُ في يدي أشدَّ بؤسًا ومسكنةً من المزمار في يد الشحّاذِ المتسوّل..."
فإذا كانت صفحةُ محمّد السباعيّ قد طُويت، وإذا كان النسيانُ قد امتدّ عليه فإنّ في كلماتهِ التي كتب حياةً لا تنضُب؛ يجدُها كلُّ من أُتيح له أن يُلِمَّ بها..