اخر الاخبار

بمجلدين كبيرين وبواقع 950 صفحة، صدرت الأعمال الشعرية للشاعر المغترب زاهر الجيزاني، وهي من إصدارات العام 2026 لدار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية.. والجيزاني من أبرز الأسماء الفاعلة في الشعر العراقي – جيل السبعينيات- الذي ترسّخت على يديه أنماط كتابة مغايرة وجديدة تمثّلت بكتابة قصيدة التفعيلة بالتعارض مع النموذج السيّابي إذا جاز التعبير، وباستلهام فكرة القصيدة الجديدة بضغط معرفي وثقافي من تنظيرات غربية في معظمها من خلال جماعة شعر اللبنانية وأدونيس وتنظيرات سوزان بيرنار. وقد توّج ذلك الجيل وبمقدمته زاهر الجيزاني موضوعة القطيعة مع التراث على أسس معرفية بتنقيته والاستفادة من العوامل المشرقة والساطعة فيه. 

احتوت الأعمال الشعرية على المجموعات الشعرية التي صدرت للشاعر في فترات متباعدة منذ نهاية السبعينيات. ومن هذه المجموعات: "تعالي نذهب إلى البريّة" و "من أجل توضيح التباس القصد" و "قدّاس بلغة الناي" ومجموعته المعروفة والمهمّة "الأب في مسائه الشخصي" التي أرّخت للوقائع العراقية بما فيها ضنك العيش والضياع والموت الذي رزح تحت وطأته العراقيون على مدى أكثر من أربعين عاماً. إضافة إلى مجموعات وقصائد جديدة كتبها الشاعر في أيام إقامته بكردستان العراق، أيام عمله في صحافة المعارضة العراقية آنذاك. فضلاً عن عشرات القصائد التي كتبها في منفاه بأميركا. وأعتقد جازماً أنّ تلك الرحلة الطويلة التي خلّصته من ربقة النظام الشمولي – بالهجرة والمنفى- ساهمت إلى حدٍ كبير في جعله يكتب بحرية مطلقة.   

كتب الجيزاني هذه القصائد بنمطين من الكتابة وهما: قصيدة التفعيلة – الشعر الحرّ -، وقصيدة النثر بصورتها المعاصرة. إذ يغلب على قصائد التفعيلة اشتغالات الغنائية والوجدانية والرومانسية التي تطرّقت إلى هموم وتطلعات الإنسان العراقي والعربي. فيما ذهبت قصائده النثرية إلى استثمار الأسطورة والرموز التاريخية التي شكّلت وعياً مختلفاً في القصيدة، فضلاً عن انشغاله ذي الطابع الفلسفي بمعظم هذه القصائد. والفلسفة لديه في هذه الأعمال لا تأتي من باب ضخ التفاصيل الفلسفية التي تجري في مباحث الفلسفة المعروفة أكاديمياً، إنما يأتي اهتمامه من باب توظيفها في موضوعات شعرية لا تقلّ جدلاً عمّا يجري في تلك الفلسفة، فتنصهر لديه وتصبح موضوعاً شعرياً خالصاً. وبالتالي، يمكننا أن ننعت قصيدة الجيزاني بالقصيدة التي تفكّر كثيراً في طريقة إنتاجها ومقصدياتها ومدى تعالقها مع القارئ.

سيتنبّه قارئ هذه الأعمال إلى اعتماد الشاعر هوامش كثيرة للغاية تمثل شروحات لمنعطفات تاريخية مرّت بالبشرية، إلى جانب إضاءات تتعلق بـموضوعات دينية تخص الأديان كلها وعلاقتها بالإنسان وطرق عباداته تاريخياً، بل وما قبل التاريخ، فيما أفرد هوامش عديدة لإيضاح علاقة قصيدة النثر بالتصوف الإسلامي ولغة العرفان.. الجيزاني في أعماله الشعرية هذه، برهن على أهمية وجود الشاعر المثقّف الذي يعمل على بلورة كل ما في أسئلة الوجود من قدرة على الخلق والإبداع والإضافة في الشعر.

كتب تظهير الغلاف الأخير لهذه الأعمال الشاعر الكبير خزعل الماجدي منوّهاً إلى أهمية وتأثير تجربة الجيزاني على أجيال ما بعده: "كان محفّزاً لطاقة أجيالٍ من الشعراء، وكان قاموساً لأرواحٍ شاردةٍ عبّرت، في أزمانٍ كسيرةٍ، ولم يكن بإمكانها البوحُ إلاّ من خلال لسانه وقلبهِ.

نحن في حضرةِ معلّمٍ شعريّ من الطراز الرفيع، حزين بقلبه لكنه يبتسمُ رغم جرحه العميق الذي لم يكن بسبب ما صادفه، من عذابٍ وأسىً في حياته الشخصيّة، بل بسبب ما فعلته البلادُ التي بين نهرين بنفسها وما تركته من ندوبٍ في روحهِ.

لقد التقط زاهر ما استطاعهُ من شظايا كارثتنا ووضعها في هذا الكتاب، وكذلك غنّى لذاته قصائدَ حبٍّ ساحرةٍ تعتني بجمرِ وماءِ الجسدِ بقدرةٍ فذّةٍ وببوحٍ عميق الأوتار.".

لقد ظلّت النقدية العراقية والعربية لعقود خلت تشير على وجه التحديد لعتباتٍ وظواهر وتجارب من قبيل: السيّاب ونازك الملائكة وعبدالوهاب البياتي والحيدري وفوزي كريم وسعدي يوسف وآخرين. أقول، ظلّت النقدية العراقية والعربية تفعل ذلك على الدوام، ولم تنفتح على تجارب مميّزة وكبيرة أخرى لها أهميتها على مستوى اللغة الشعرية وتقانات القصيدة الجديدة مثل تجربة الجيزاني وخزعل الماجدي وعدد قليل آخر. وعليه فثمة تحولات في بناء القصيدة وتركيبها يكاد يتفوق على كثيرٍ من ظواهر الشعر العراقي. تقانات جديدة تعبر بالقصيدة إلى جادّة أخرى هي غاية في الأهمية والتجريب وقد حفلت بالتماعاتٍ لا حصر لها. هذه القضية إذا ما أصرَّ النقد على ثباتها ستحجب عنّا الالتفات إلى تجارب فاعلة ومهمّة وجديرة بالمعاينة والوقوف عندها طويلاً. تجري هذه الرؤية بتحريض من صدور أعمال شاعر عراقي كبير يقف بكامل عدّته الإبداعية لتأكيد مشروعه الشعري بالغ الأهمية. ومن صيغ هذه الأهمية هو قدرة الشاعر على إشراك القارئ في عملية التثاقف من خلال الشعر، عند زاهر الجيزاني بإمكان القصيدة أن تفعل ذلك وبقوة لافتة.

"إذا سمعتَ "صوتَها" / واهتززتَ وسقطَ كوبُ القهوةِ على ثيابكَ / وتبقّع جلدُ السماء الصافية/ إذا كلَّمَكَ نيزكٌ، أو تخيّلتَ نيزكاً كلَّمَكَ،/ إذا ارتجفتَ مثل امرأةٍ تلدُ أمام شباكٍ مفتوح / مثل نسيانٍ يتذكرُكَ / عندما تنظر إليه في وجوه المارّة / مثل هَمْسِ الجالسة خلفكَ، / تنبهُكَ أنّ شيئًا ما سقطَ منكَ

إذا مررتَ بهذه الحالة، فأنتَ عاشقٌ / يقول ابن سينا في  "رسالة في العشق، " / على العاشقِ أن يغتسلَ بماءٍ باردٍ إذا اضطربَ نبضُهُ/ وأن يُطبقَ شفتيه على اسمها/ تضيف للاسم حرفَ ميم، وتحبسه بفمِك/ كما فعل موسى حين أضاف ميماً/ ومرّر اسم أللّوهيم على شفتيه .... "  

إنَّ مَنْ لم يطّلع على الأعمال الكاملة للجيزاني سيظن أنَّ هذه المقالة تذهب إلى المبالغة في الاحتفاء بشاعرٍ عراقي لا يختلف كثيراً – على وفق التصور النقدي الشائع -، عن مجايليه، لكنَّ واقع الحال الذي تتركه القراءة الأولى لهذه الأعمال إنها ستضع الجيزاني بمكانة مرموقة وستجعله يلتحق بركْب التجارب الكبيرة في الشعر العراقي. تملؤني الدهشة وتدفعني إلى مساحاتٍ هائلة من الجمال والمعرفة وأنا انتهي من قراءة هذه الأعمال الشعرية بالغة الأهمية والخطورة. 

صدور الأعمال الشعرية لزاهر الجيزاني يُعد استحقاقاً وإنصافاً لتجربته الكبيرة التي شكّلت علامة فارقة في الشعر العراقي والعربي. لغةٌ مُبتكَرة وموضوعات عمدت إلى كسر التابوات التي لم يتخطاها الشعر كثيراً.. بل ولم يجرؤ من قبله شاعرٌ عراقي على الخوض في تفاصيل مثلها: الدين والأيروس والأعراف والتقاليد البالية بالانتصار إلى قيم العقل والأنسنة، وهو جوهر ما يحتاجه قارئ الأدب اليوم لتصحيح مسارات بوصلة الشعر بعد عقود من الركون والاستسلام والتراكم الّلفظي الذي لا يُغني ولا يسمن من جوع.

ـــــــــــــــــــــــ

*ناقد عراقي/ رئيس تحرير مجلة "الاقلام".